9 مرشحين أبرزهم عبد العزيز وولد داده


مي الصايغ
يتوجه الموريتانيون اليوم إلى صناديق الاقتراع لاختيار رئيس جديد، والأمل يحدوهم بأن يطووا صفحة الانقلابات العسكرية، التي كان آخرها في 6 آب 2008، الذي أطاح نظام الرئيس المنتخب ديموقراطياً سيدي ولد الشيخ عبد الله، وسط ترجيح المراقبين بألا تُحسم نتيجة هذه الانتخابات من الجولة الأولى.
ويتنافس 9 مرشحين على خوض الانتخابات الرئاسية، أبرزهم قائد الانقلاب، رئيس المجلس العسكري المستقيل الجنرال ولد عبد العزيز. ورغم تنحِّيه عن الحكم في شهر نيسان الماضي لمصلحة رئيس مجلس الشيوخ با ممدو امباري، لا يزال صانع الانقلابات الشخصية الأقوى في موريتانيا. ويوصَف ولد عبد العزيز حالياً بأنه مرشّح الجيش، مع ما يمثله من نفوذ متجذّر وقوّة حضور في المشهد السياسي الموريتاني، فضلاً عن كونه قد استطاع بناء تحالفات مع بعض القوى التقليدية في المجتمع، حين كانت المعارضة تقاطع الانتخابات وترفض الاعتراف بالمسلسل الانتقالي. وقد أدى قطعه لعلاقات نواكشوط مع تل أبيب إلى رفع أسهمه وسط الشعب الموريتاني.
في المقابل، تنقسم الجبهة المعارضة بين 3 قادة هم زعيم «حزب تكتل القوى الديموقراطية» أحمد ولد داده، ومرشح «الجبهة الوطنية للدفاع عن الديموقراطية» مسعود ولد بلخير، ورئيس «حزب تواصل الإسلامي» جميل ولد منصور.
ويعدّ أحمد ولد داده، ثاني أوفر المرشحين حظاً. ويتمتّع برصيد نِضالي غني وطويل، إذ ظهر سنة 1992 كمعارض عنيد وقوي للرئيس الأسبق معاوية ولد الطايع، كما مثّل دائماً البديل الجاهز كلّما حدث فراغ في السلطة أو تغيير فيها، وقد أوشك على الوصول إلى سدّة الحُكم في انتخابات سنة 2007، لكن تدخّل المجلس العسكري الحاكم حينها بقوة لمصلحة المرشح سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله، حال دون ذلك.
وحظي «المعارض العنيد» في الأسابيع الماضية بدعم كبير من بعض القوى المالية والسياسية في البلد، فضلاً عن أنه ينفرد بعامل آخر قد يكون عامل جذب للكثير من الموريتانيين، فهو شقيق أول رئيس للبلاد، المختار ولد داده، المعروف بأب الأمّة والرئيس المؤسس. وقد وقّع اتفاقاً مع مرشح الجبهة المناوئة للانقلاب، رئيس البرلمان مسعود ولد بلخير، يقضي بدعم مَن يسقُط منهما في الجولة الأولى إلى النهاية في حال انتقاله إلى الجولة الثانية.
أما ولد بلخير، الملقّب بـ«أوباما الموريتاني»، فينتمي إلى شريحة «الحَرَاطِين» (العبيد السابقون)، وتلك نقطة قوّة له في أوساط الديموقراطيين والتحرّريين، بيد أنها تمثّل عقبة أمامه لاختراق نسيج المجتمع التقليدي العشائري.
ويمثّل ترشيح الزعيم الإسلامي محمد جميل ولد منصور، الذي يعدّ أحد رموز الإسلام الوسطي في موريتانيا، سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ البلاد. فللمرة الأولى يقدِّم الإسلاميون مرشحاً إلى الانتخابات الرئاسية.
أمّا المرشحون الآخرون فهم الرئيس السابق للبلاد خلال الفترة الانتقالية الديموقراطية (2005-2007) أعلي ولد محمد فال، الذي تولى السلطة إثر انقلاب عسكري في 2005، والذي يعّد من مرشحي العيار الثقيل. ويحسب له أنه تنازل عن الحكم وأقام ديموقرطية نزيهة أوصلت شخصية سياسية غير عسكرية إلى سدة الرئاسة. ويملك ولد محمد فال أوراقاً قوية ترفع من حظوظه في المُعترك الانتخابي، فهو واحد من أغنى أغنياء موريتانيا، ولديه شبكات علاقات واسعة نسجها عندما كان مديراً عاماً للأمن العام الوطني في عهد معاوية ولد طايع.
كما يبرز صالح ولد حننا، أحد كبار الداعمين للجنرال عزيز في انقلاب آب، وسفير موريتانيا في الكويت حمادي ولد اميمو. وزعيم حزب «التحالف من أجل العدالة والديموقراطية»، إبراهيم مختار صار، ونائب رئيس «الجمعية الوطنية» (البرلمان)، كان حميد بابا، المنشق عن حزب «تكتل القوى الديموقراطية» الذي يتزعمه ولد داده.
ومع انعدام البرامج السياسية للمرشحين، تحولت المهرجانات الانتخابية إلى ساحة للحروب الكلامية. فالجنرال عبد العزيز اتهم «جميع المرشحين، من دون استثناء، بأنهم فاسدون»، وأضاف «إنّ الشعب سيحاسبهم يوم 18 تموز، ويلقي بهم في سلة المهملات»، واعداً بالكشف عن ملفات ووثائق تثبت تورط مرشحي المعارضة، أحمد ولد داده، ومسعود ولد بخير بالفساد.
ولم يوفّر ولد عبد العزيز الرئيس الأسبق، معاوية ولد الطايع، الذي اتهمه بالوقوف خلف مرشحي المعارضة في مسعى لإعادة نهجه، متوقعاً «أن ينسحب خصومه السياسيون من السباق الرئاسي أو يهربوا خارج البلاد قبل موعد الانتخابات»، متوعداً بمحاسبتهم على ماضيهم الفاسد، بعد انتخابه رئيساً للبلاد.
اتهامات لم يستطع قادة المعارضة أن يهضموها، فردّوا باتهام ولد عبد العزيز صراحةً بتمويل حملته الانتخابية من أموال الدولة، واستخدام وسائلها وتجهيزاتها، وحتى مروحيات الجيش، للتنقل في حملته الانتخابية.
في ظل هذه الأجواء، يبدو مستبعداً أن تُحسم هويّة قاطن القصر الرمادي من الدورة الأولى. ويرجح العديد من المراقبين إجراء دورة ثانية في الأول من آب المقبل. حتى إنّ المحلل السياسي الموريتاني سيدي محمد ولد سيدي محمد ذهب إلى استشراف مرحلة ما بعد 18 تموز، متوقعاً أن ينحصر التنافس في الجولة الثانية بين ولد داده وعبد العزيز. ويشير إلى أن «من يبالغ في تهويل قوة العقيد ولد محمد فال، يتجاهل في الوقت نفسه العمق الشعبي للجنرال محمد ولد عبد العزيز، والرصيد الكبير لولد داده، ما يجعل منافستهما من طرف بقية المرشحين نوعاً من المحاولة اليائسة».



«جماعات الضغط» القبليّةتتشابه القبائل في موريتانيا إلى حد بعيد مع جماعات الضغط، التي تؤثر في القرار من دون أن تعلن عن نفسها. ويُجمع الموريتانيون على أنّ التحالفات القبلية أقوى تأثيراً من نظيراتها السياسية، ولذلك لا يُسأل: كم يدعم هذا المرشح أو ذاك من الأحزاب السياسية بقدر ما يُسأل: كم قبيلة تقف خلفه؟ لكنّ الموريتانيين يدركون أنه لا يمكن أي وسيلة إعلامية محليّة التحدث عن القبائل بأسمائها، فالأمر من المسكوت عنه والمتعارف عليه في الوقت نفسه. فهذا هو المناخ الداخلي الذي تجري الانتخابات في إطاره رغم وجود نحو 80 حزباً سياسياً ، ونحو 2000 منظمة غير حكومية تعمل في بلد يبلغ عدد سكانه ثلاثة ملايين نسمة. فالقبيلة في موريتانيا لا تزال المحرك الأساسي للأحداث السياسية، والفاعل في الصراعات الدائرة بين الأقطاب السياسية، أمّا الأحزاب، فقد تكون مجرّد غطاء للدور الخفي والأساسي للقبائل في صناعة الأحداث وتوجيه الرأي العام.
(الأخبار)