نابلس ــ سعيد الغزالي


تحويل نصر حزب الله إلى واقع دينامي في فلسطين لا يكون بصناعة نموذج متطابق، ولا ينبغي أن يكون كذلك. لكن الخشية تكمن في كون صناع القرار الفلسطينيين يقلبون النصر إلى هزيمة، حتى انهم يضعون العراقيل أمام تفكير جديد.
يقول عبد الستار قاسم، إن الرئيس الفلسطيني محمود عباس «سيستمر في إيجاد الصعاب. و(حركة المقاومة الإسلامية) حماس لا تعرف ماذا ستفعل، إنها تعمل في فراغ، رغم أنها تملك الوسائل. حماس أكبر حزب سياسي في فلسطين، يجب أن تتمكن من فعل شيء».
هنا يتجه القادة، أصحاب «العقول الفئوية»، إلى أفق مسدود، وتستريح نفوسهم في العويل. ويكتفون بصيحات الاستغاثة، كما كانوا يفعلون على مدار عقود. وكأن ما حدث في لبنان كان هزيمة لا نصراًفاستحالة الحصول على صواريخ تدمر دبابات إسرائيل، وحصار الغرب والعرب للفلسطينيين، اقتصادياً، لا يعنيان أن يحصل الفلسطينيون على عضوية دائمة في «جمعيات المعوقين» الدوليـــة ويقبلـــــوا «عاهاتهم» كقدر أبدي.
للأسف، لم يكن هذا الفهم سائداً في غرفة الصف الجامعي الرقم 3240 . كان النقاش مشحوناً بحماسة فاترة، وكلام مكرر، وقليل من عمق التفكير.
خمسة قالوا إن حزب الله، في الحرب الأخيرة، لم ينتصر. بقيت الأكثرية (واحد وثلاثون). فماذا قالت؟
جرى التصويت في الغرفة الدراسية لطلبة مساق «الفكر الغربي» في الطابق الرابع في كلية الاقتصاد في «جامعة النجاح».
لم تكن هذه النتيجة غريبة. كانت مفاجآت حزب الله مفاجئة للجميع، أصدقاء وأعداء. ونتيجة هذه المفاجآت: واحد وثلاثون صوتاً يؤمن بأن حزب الله قد انتصر في المعركة.
لكن النصر والهزيمة في هذه الحرب يجب أن يقاسا وفقاً لنتائجهما السياسية. الاسرائيليون يحاولون تحويل هزيمتهم العسكرية إلى نصر سياسي، بمساعدة الولايات المتحدة والامم المتحدة، ليس فقط في لبنان، بل في فلسطين. وتكريس «النصر الإسرائيلي» في فلسطين، يعني انقسام الفلسطينيين، وانشغالهم بمصالحهم الفئوية، وهذا ما يحدث.
يردد الطالب أشرف المصري من نابلس ما يسمعه من تبريرات المهزومين: «لم ينتصر حزب الله، لأن الحدود الشمالية لإسرائيل أصبحت آمنة، والجيش اللبناني على الحدود في الجنوب. الحدود اللبنانية ــ الإسرائيلية أصبحت آمنة مثل حدود إسرائيل مع مصر والاردن».
هناك امور لاحظها الطلبة. منها التدريب والانضباط، ودرجة الايمان العالية، والاستعداد للتضحية لدى مقاتلي حزب الله، إضافة إلى حرب الغوار باستخدام صواريخ قادرة على الفتك بالدبابات الإسرائيلية.
لم يكن النصر متوقعاً لدى الكثيرين، خصوصاً أولئك المثقفين الليبراليين الذين تشوَّه وعيهم، فاعتقدوا بـ«دونية الشعب العربي» قياساً على الهزائم المتتالية التي منيت بها الأنظمة العربية منذ نكبة فلسطين عام 1948. وبعد النصر، تصرفوا على أن النصر كان هزيمة.
القليلون من المحللين، ممن لم يتشوَّه وعيهم، ولم تسقط قلوبهم هلعاً من قوة الولايات المتحدة وإسرائيل، توقعوا انتصار حزب الله قبل أن ينتصر. ولا يزالون يرون الحرب الأخيرة نصراً.
عمران نواهضة، من جنين، أشاد بالصواريخ المضادة للدبابات، التي دمر بها حزب الله نحو مئة دبابة إسرائيلية. وبرّر نواهضة ضعف المقاومة الفلسطينية بأن الفلسطينيين لا يملكون أسلحة مضادة للدروع.
ولاء الشاعر كانت متفائلة باعتقادها أن الفلسطينيين قد ازدادت شجاعتهم. فقالت «الذي حصل في لبنان (صحّاهم). ويمكن أن يتّحدوا».
السؤال المهم يكمن في ترجمة هذا التأييد إلى واقع جديد يؤدي إلى تغيير في الأداء الفلسطيني.
سرية الحاج، من قرية جماعين، تعتقد أن الفصائل الفلسطينية لم تتغير، وهي منغمسة في «القيل والقال» والمماحكات بينها.
ياسمين تمام، من طولكرم، تقول إن المقاوم الفلسطيني يستعرض سلاحه على «دوار نابلس»، ويستخدمه لأغراض شخصية. وتضيف: «الفصائل أخطأت في طريقة استخدام السلاح، على عكس حزب الله».
وقد تكون هذه الشذرات النقدية، بداية تشجيع للواقع الفلسطيني، لإجراء المحاسبة الذاتية. لكن الخشية لا تزال قائمة في حجم الشعارات السياسية الفارغة المضمون التي أصابت العقول بالترهل.
مظاهر الترهل عديدة. أولها أن الشعب الفلسطيني يفتقر إلى قيادة تتجاوز واقع «العجز»، باستنهاض القدرات السياسية والاقتصادية الكامنة في المجتمع، وتتخطى مصالحها الفئوية الضيقة إلى ما بعد، ما بعد أحلامها الضحلة في استجداء المساعدات، بدلاً من الاعتماد على الذات. كما يفتقر الى قيادة تتمكن من ترجمة الشحنات العاطفية، نتيجة انتصار حزب الله، إلى بداية فعل، بدلاً من الاكتفاء بتوجيه اللوم إلى القوى الخارجية والداخلية التي تحاصر الشعب الفلسطيني.