كوالا لمبور | منذ عشرة أيام، تعيش ماليزيا وإندونسيا وتايلندا على وقع أزمة المهاجرين غير الشرعيين الذين وفدوا عبر البحار من بورما ومن بنغلادش. وفي ماليزيا، وصل أكثر من ألف لاجئ إلى مركز لاحتجاز المهاجرين في لانكاوي، شمال غرب البلاد، بينما لا يزال حوالي 8000 منهم عالقين على متن سفن في مضيق مالاكا، جنوب العاصمة كوالا لمبور. آلاف الرجال والنساء والأطفال، تركوا العدو وراءهم ليجدوا أمامهم بحر أندامان وتهاون البلدان المجاورة في استقبالهم، خوفا من وصول وفود أخرى إلى سواحلها.


لم تشهد دول جنوب شرق آسيا مثل هذا العدد الهائل من اللاجئين الهاربين على متن قوارب منذ أيام حرب الفيتنام سنة 1975. وقد كان المهربون في السنوات الأخيرة يأخذون المهاجرين غير الشرعيين من بورما وبنغلادش عن طريق البحر نحو تايلندا، حيث يقطع هؤلاء الحدود البرية التي تفصلهم عن ماليزيا والتي يختارها المهاجرون لكونها بلدا مسلما ذا اقتصاد مزدهر، لكن في المدة الأخيرة، قررت تايلندا أن تحارب هؤلاء المهربين وأن تمنعهم قدر الإمكان من الوصول إلى سواحلها، ما جعلهم يتخلون عن المهاجرين في عرض البحر، إلى أن يموت هؤلاء جوعا وعطشا ومرضا (شهادات عديدة للاجئين أفادت بأن عشرات المسافرين ماتوا على متن القوارب ورميت جثثهم في البحر)، أو يصلوا إلى سواحل احد البلدان المجاورة. وقد كانت المفوضية العليا لشؤون اللاجئين قد ذكرت في تصريح لها في 8 أيار أن 25 ألف لاجئ من بورما وبنغلادش حاولوا الهروب على متن قوارب بين شهر كانون الثاني وآذار 2015.
ويبدو أن السلطات الماليزية تتردد في تعاملها مع هذا الملف بين الحزم والتعاطف. ففي الأيام الماضية، اقتادت البحرية الماليزية ــ على غرار نظيرتها الأندونيسية ــ سفينة جديدة كانت محملة بـ800 لاجئ من بينهم نساء وأطفال خارج مياهها الإقليمية، بعدما زودتهم بالأكل والأدوية والوقود، بحجة أن قبول جميع اللاجئين يعني حث آلاف الآخرين على اتباع نفس السبل، بحسب نائب وزير الداخلية الماليزي، وهو ما لا تقدر الحكومة على تحمله. من جهته، أيد أحد أعضاء مكتب الوزير الأول يوم الاثنين الماضي، خلال حصة مساءلة الحكومة أمام البرلمان، هذا التصريح، مضيفا أنه ليس بوسع ماليزيا أن تستقبل مهاجرين لا يحملون أي وثيقة سفر قانونية. لكن، وبعد توبيخات الأمم المتحدة واجتماع وزراء خارجية ماليزيا واندونيسيا وتايلندا صباح يوم الأربعاء 20 أيار، قررت الدول الثلاث عدم اللجوء مجددا إلى اقتياد السفن المحملة باللاجئين خارج مياهها الإقليمية، بل ستمنحهم «لجوءا مؤقتا» شرط أن يجري نقلهم أو إرجاعهم إلى أوطانهم في غضون سنة. أما بورما ــ التي رفضت المشاركة في أي اجتماع لاتحاد دول جنوب شرق آسيا لتدارس الوضع ــ فقد وعدت بأنها ستقدم «مساعدات إنسانية».
هذا التضارب في المواقف يتناقض مع ردود فعل الرأي العام الماليزي، فقد عبرت الصحافة المحلية وكذلك الناشطون الحقوقيون عن تضامنهم مع اللاجئين ونددوا بالقرارات التي اتخذتها حكومتهم طالبين منها أن «لا تتعامل مع المهاجرين كمجرمين» وأن تعالج أولا الموضوع من منظور إنساني. بعض الأصوات علت كذلك لتنتقد تهاون أعضاء اتحاد دول جنوب شرق آسيا في ممارسة ضغوط على رانغون في السنوات الأخيرة لحثها على تغيير سياستها نحو أقليتها المسلمة، مؤكدة أن ماليزيا كما اندونيسيا وتايلندا تتحمل اليوم تداعيات هذا الصمت.
وتعد منظمة الأمم المتحدة الروهينغيا الأقلية الأكثر اضطهادا في العالم، وخاصة منذ سنة 2012 حيث يتعرض الروهينغيا بانتظام إلى هجومات الرهبان البوذيين في ولاية أراكان، علاوة على السياسة التي تنتهجها السلطات تجاههم من تحديد في النسل ومنع ممارسة الشعائر الدينية وحرمانهم الجنسية. وعادة ما يحاول الروهينغيا الهروب إلى بلدان مجاورة، مثل بنغلادش التي استقبلتهم لفترة معينة باسم التضامن بين المسلمين قبل أن تشدد سياستها تجاههم. أما في ماليزيا، فانعدام الجنسية لا يسمح لهم بإقامة قانونية في البلد للعمل وإرسال أبنائهم إلى المدرسة، ولا يسعهم أن يظلوا هناك كلاجئين بما أن كوالا لمبور لم توقع اتفاقية جنيف التي تعترف بصفة اللاجئ.