«الدولة العميقة» في الولايات المتحدة


في أيلول عام 1980، قام الجيش التركي بانقلاب عسكري، اعتقل نصف مليون شخص، حكم على أكثر من 500 منهم بالإعدام، وأعدم 50. ترك الجيش السلطة بعد عامين، ولكن ليس قبل أن يفرض دستوراً جديداً رسّخ فيه المزيد من الصلاحيات. على مدى عقود، شكّل «حق النقض» الذي يتمتّع به الجنرالات في أنقرة العمود الفقري القانوني لما يسميه الأتراك derin devlet، أو ما يُعرف بـ«الدولة العميقة»، ونصّب هؤلاء أنفسهم مدافعين عن المصلحة الوطنية. لا أحد فوقهم، ولا شيء تحتهم.

(...) اليوم، وصل مصطلح «الدولة العميقة»، الذي يُستخدم في تركيا ومصر وباكستان، إلى الولايات المتحدة... أو هذا ما يُقال لنا. تحدّث شون هانيتي الأسبوع الماضي عن «الدولة العميقة»، واتهم الذين احتفظوا بمناصبهم منذ عهد أوباما بالسعي إلى «تدمير الرئيس ترامب»، داعياً الأخير إلى «تطهير السلطة من هؤلاء المخربين». لمّح السيد هانيتي إلى قيام وكالة الاستخبارات المركزية بهجمات إلكترونية «مزيفة» على أهداف أميركية، ومن ثمّ اتهام روسيا. فوفق صحيفة «ديلي ميل»، ينوي باراك أوباما تحويل بيته الجديد إلى «المركز الرئيسي للتمرّد المتصاعد ضد خليفته». فيما يحذّر أحد كتّاب موقع «بريتبارت» من أنَّ «الدولة العميقة لا تنام أبداً. إنها تقوم بشيء ما دائماً. أي شيء لتقويض إدارة ترامب».
(...) ولكن، كما الحال في أنقرة، لا يوجد «دولة عميقة» في واشنطن. عندما طالب ترامب باستقالة 46 محامياً أميركياً، وافقوا جميعاً على المغادرة، ما عدا بريت بهرارا، الذي طلب أن يُطرَد رسمياً. أما وكالة الاستخبارات المركزية، فهي تحت سلطة شخص عيّنه ترامب، والجنرالات المسؤولون عن الإدارات الاتحادية رشحهم الرئيس نفسه لتولي تلك المناصب (...) وبالنسبة إلى وسائل الإعلام التي يحاربها ستيف بانون، فإنها تشمل أيضاً «فوكس نيوز».
(...) نعيش في زمن غير عادي. نعيش في زمن يحكمه الارتياب (...) ترامب وبانون وعدد من مساعدي الرئيس مثل شون سبيسر، اتهموا أوباما بأنه أمر شخصياً بالتنصت على برج ترامب. هذا «الارتياب» يمكن تصنيفه دليلاً على لاعقلانية قد تصل إلى حدّ اعتبارها نوعاً من المرض العقلي. أو يمكن أن يكون وسيلة ماكرة يستخدمها هؤلاء بهدف تدمير خصومهم السياسيين من خلال تأجيج المخاوف الهستيرية في صفوف المؤيدين. الرئيس التركي رجب طيب أردوغان خبير بالحالة الثانية. ماذا عن ترامب؟
(بريت ستيفنز ــ «وول ستريت جورنال» الأميركية)

لا ينبغي لواشنطن أن تكون شريكة القاهرة

لم يلقَ مديح الرئيس الأميركي دونالد ترامب للطاغية المصري عبد الفتاح السيسي اهتماماً كبيراً كمديحه للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، إلّا أنّه دليل على تحوّل خطير في السياسة الخارجية الأميركية.
وصف ترامب السيسي بـ«الرجل الرائع» بعد لقائهما في نيويورك في أيلول الماضي، وأكّد وجود «كيمياء» تربطهما سوياً. تزامن ذلك مع رغبة القاهرة في إصلاح العلاقات المضطربة مع واشنطن، التي توترت بسبب الأحداث التي شهدتها مصر منذ عام 2011، بما في ذلك الانقلاب العسكري على جماعة «الإخوان المسلمين» التي وصلت إلى السلطة ديموقراطياً، وما تلا ذلك من قمع. فالسيسي ضيّق الخناق على الإسلاميين، وارتكب مجزرة بحقهم في عام 2013 (...) وعقب تفاقم انتهاكات حقوق الإنسان، اتخذت إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما تدابير ضد القاهرة، كان أبرزها تعليق بيع كمية متواضعة من المساعدات العسكرية لمصر.
(...) اليوم، يجد السيسي في البيت الأبيض محاوراً أكثر ودّاً. ترى إدارة ترامب في مصر الشريك المثالي في محاربة تنظيم «الدولة الإسلامية» والجماعات المتطرفة الأخرى في المنطقة. أما البيت الأبيض، فينوي تصنيف «الإخوان» جماعة إرهابية (...) طريقة تعامل القاهرة مع الجماعات المتطرفة شديدة القسوة وغير مثمرة. فحكومة السيسي تضطهد الجماعات الإسلامية العنيفة وغير العنيفة على حد سواء ودون اتباع أي إجراءات قانونية (...) كذلك فإنها تضيِّق الخناق على الناشطين في مجال حقوق الإنسان والمعارضة عموماً. فالأسبوع الماضي، أسقط مجلس النواب المصري عضوية النائب محمد أنور السادات، نجل شقيق الرئيس الراحل أنور السادات، الذي يشتهر بانتقاداته الحادة لسجل السلطات المصرية في مجال حقوق الإنسان.
(...) لا ينبغي لواشنطن أن تقدّم المزيد من التنازلات قبل أن ترى إصلاحات حقيقية في النهج الذي تتبعه مصر في مجال حقوق الإنسان. على السلطات المصرية أن تطلق سراح آية حجازي، المواطنة المصرية ــ الأميركية المحتجزة منذ عام 2014.
(افتتاحية صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية)