«نعم» تعني التوجه نحو الإفلاس التام


المستشارة السابقة لصندوق النقد الدولي ورئيسة دائرة الاقتصاد في جامعة أوكسفورد، نيري وودز، رأت أن اليونان لن تتمكن من الخروج من أزمتها الاقتصادية، ولن تتمكن من سداد ديونها إلا بعد إسقاط جزء منها، مشيرة إلى أن صندوق النقد الدولي واعٍ لهذا الشرط «الملزم» منذ فترة طويلة، لكن «شركاء» اليونان الأوروبيين لا يحبذون هذا الخيار. وإزاء رفض الدائنين شطب المزيد من الديون اليونانية (بعدما كانوا قد وافقوا على إسقاط 40 مليار يورو من الديون عام 2012)، حاولت اليونان التوصل إلى إعادة هيكلة الديون، وإلى شروط سداد مناسبة؛ غير أن الدائنين تجاهلوا الطلبات ذات الصلة. ورأت وودز أن الحكومة اليونانية كانت على حق عندما قالت إن خطة الإنقاذ الأصلية غير قابلة للاستمرار، مشيرة إلى أن جميع الإجراءات التي اتُّخذت في هذا السياق لم تفلح في تقليص الديون.

وبحسب الخبير في شؤون الاستثمار الدولي، مارك فابر، فإن المؤسسات المالية الغربية مسؤولة بنسبة كبيرة عن الأزمة المالية اليونانية، وإن «المؤسسات المالية الأوروبية، بما فيها البنك المركزي الأوروبي، تصرفت بتهور من خلال منح هذا القدر من الديون إلى اليونان». واتهم فابر رئيس البنك المركزي الأوروبي، ماريو دراغي، بقيامه سابقاً بـ«عقد اتفاقات من أجل إخفاء ديون اليونان وضمها إلى منطقة اليورو»، مستغرباً أن «يمنح دراغي اليونان الآن بعد كل ذلك قروضاً».

الـ«لا» قد
تؤدي إلى انهيار اليورو

من جهته، يجيب جوزيف ستيغلتز، نائب رئيس البنك الدولي وكبير اقتصادييه سابقاً، وكبير المستشارين الاقتصاديين للرئيس الأميركي الأسبق، بيل كلينتون، عن تساؤلات فابر بشأن المنطق من إعطاء بلاد غارقة في فخ المديونية المزيد من القروض. يرى ستيغلتز أن الإقراض المشروط بسياسات «التشقف» أدى إلى تقلص الناتج المحلي لليونان بنحو 25%، وتجاوز نسبة بطالة الشباب 60%، هو سيناريو متعمد وكارثي بشكل عز نظيره، متحدثاً عن إدانة الكثير من الاقتصاديين حول العالم إملاءات الدائنين بوصفها «عقابية»، وقائلاً إن من شأن تطبيقها أن يؤدي بشكل حتمي إلى ركود أعمق من ذاك الذي تعانيه اليونان الآن. ويرى ستيغلتز أن تصويت اليونانيين بـ«نعم» لشروط الدائنين سيؤدي إلى «ركود بلا نهاية» وإلى بيع أصول البلاد وهجرة شبابها خلال العقد المقبل أو الذي يليه، وذلك قبل أن يعفي الدائنون اليونان أخيراً. ولهذه الأسباب، فإن «سيريزا»، الحزب الذي وصل إلى الحكم في اليونان على أساس برنامج تعهد فيه بوضع حد لسياسة «التقشف» التي جرت الويلات على البلاد، والتي يصر الدائنون على فرض المزيد منها كشرط لتمديد برنامج القروض، يتجه إلى الاستقالة إذا صوتت غالبية اليونانيين الأحد بـ«نعم» للشروط.

الـ«لا» تهدد اليورو وتفتح أفقاً لليونان

يقول رئيس الوزراء اليوناني، ألكسيس تسيبراس، إن تصويت غالبية اليونانيين بـ«لا» من شأنه أن يحسن الموقع التفاوضي مع الدائنين، آملاً أن يؤدي ذلك إلى التوصل إلى اتفاق أفضل معهم؛ لكن قادة الاتحاد الأوروبي كانوا قاطعين في قولهم إن الـ«لا» تعني الخروج تلقائياً من منطقة اليورو، وربما أيضاً من الاتحاد الأوروبي. وفي حين أن الـ«نعم» معروفة النتائج تقريباً، فإن الـ«لا» تعيد لأثينا السيادة على سياساتها المالية والنقدية، فاتحة أمامها آفاقاً غير واضحة المعالم، حيث الأمل بمستقبل أفضل تتهدده مخاطر عديدة تحدق باليونان والاتحاد الأوروبي بأسره، وربما أيضاً الاقتصاد العالمي.
وهدد رئيس الحركة الديمقراطية الاشتراكية المعارضة ورئيس الوزراء اليوناني السابق، جورج باباندريو، بتبعات «خطيرة» لرفض اليونانيين شروط الدائنين الأوروبيين، قائلاً إن من شأن ذلك أن يؤدي إلى «الفوضى وانقسام البلاد»، ذلك أن استطلاعات الرأي المختلفة تشير إلى أن نسبة كبيرة من اليونانيين، حتى من بين رافضي شروط الدائنين، تؤيد البقاء في منطقة اليورو. وبالنسبة إلى العديد من المراقبين، يعني خروج اليونان من منطقة اليورو انهيار المصارف المحلية، ومعها سعر صرف العملة الوطنية، وانتفاخ الأسعار. ووفقاً لهذا السيناريو، سيتقلص الاقتصاد اليوناني خلال العامين الحالي والمقبل، بفعل انخفاض حاد في الاستثمارات التجارية ومستوى الاستهلاك؛ وذلك فيما تتوقع بعض نماذج المحاكاة أن يعود الاقتصاد اليوناني إلى النمو عام 2017.
إسقاط الديون شرط «لازم» للتعافي الاقتصادي

أما على مستوى الاتحاد الأوروبي، فالمخاطر قد تكون أعظم، إذ يتوقع الرئيس السابق للاحتياطي الفدرالي الأميركي، في حديث لصحيفة Financial Post نشرته الأخيرة في شباط من العام الجاري، أن يؤدي انسحاب اليونان من منطقة اليورو إلى نهاية العملة الأوروبية الموحدة، وعودة الفرنك والليرة والمارك وغيرها من العملات الوطنية الأوروبية. وبحسب الصحيفة المذكورة، حتى لو صمد اليورو في مثل هذا السيناريو، فإن احتفاظ المصرف المركزي الأوروبي بسندات الديون اليونانية (ثمة 240 مليار يورو ضمن «حزمة الإنقاذ» الأوروبية) قد يؤدي إلى انخفاض سعر صرف اليورو، وبالتالي هروب الرساميل من أسواق الاتحاد، وتصنيف المستثمرين للاقتصادات الأوروبية الأضعف، كقبرص وايرلندا والبرتغال وإسبانيا وربما حتى إيطاليا، كبلدان ذات مخاطر عالية؛ علماً بأن أزمة أوروبية من هذا النوع (حصة الاتحاد الأوروبي من التجارة العالمية هي نحو الخمس) قد تدفع الاقتصادات الغربية الكبرى إلى ركود جديد.




الغالبية ستصوت بـ«لا»... ولكن

أظهر استطلاع للرأي نشر نتائجه صحيفة «إفيميريدا تون سينتاكتون» الأربعاء الماضي أن غالبية اليونانيين ستصوت بـ«لا» لشروط الاتفاق الذي يحاول الدائنون فرضه، حيث قال 54% ممن ينوون المشاركة في استفتاء يوم الأحد إنهم سيعارضون الاتفاق، مقابل 33% سيؤيدونه. لكن استطلاعاً جديداً للرأي أُعلنت نتائجه يوم أمس أظهر أن 44.8% من المستطلعة آراؤهم قالوا إنهم سيصوتون بـ«نعم» لشروط الدائنين، مقابل 43.4% قالوا إنهم سيصوتون بـ«لا». وبحسب الاستطلاع الأخير الذي نشرت نتائجه صحيفة «اثنوس»، أفاد 74% من المستطلعة آراؤهم بأنهم يرغبون ببقاء اليونان في منطقة اليورو، مقابل 15% يريدون العودة إلى العملة وطنية. وفيما رأى البعض أن التفاوت في نتائج استطلاعات الرأي تعكس رغبات أصحاب المصالح المتضاربة، عزا معدو الاستطلاع الأخير الانخفاض الكبير والسريع في نسبة رافضي شروط الدائنين إلى الاضطراب الذي ساد البلاد عقب قرار إغلاق المصارف.