■ سبق للرئيس الأميركي أن أعرب عن رغبته في الانسحاب من الاتفاق النووي إذا لم يتم تعديله بشكل جوهري في غضون أربعة أشهر. ألا يمكن لهذا الإعلان أن يزيد من المخاطر لدى المتعاملين الماليين المترددين في دخول السوق الإيرانية؟


هوغ برونيه: ثمة غموض، ولكن لا أعتقد أن هذا الإعلان ستكون له عواقب مهمة على الأرض. حتى لو أنّ ترامب لن يُصادق على التزام إيران ببنود الاتفاق النووي، فإنّ الأمر يعود للكونغرس لإقرار ما إذا كانت الأخيرة قد وفت بالتزاماتها أو لا.

هذا الإجراء يأخذ وقتاً طويلاً جداً، وأعتقد أن أعضاء الكونغرس اليوم ليسوا متحمسين للانسحاب من الاتفاق، مع العلم بأن الأغلبية الجمهورية في الكونغرس ضعيفة وأن احتمالات انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق ضئيلة جداً. لا يعدو ذلك أن يكون أكثر من مجرد إشهار.

■ أنتم موجودون في طهران ويتمثل جانب من عملكم في مساعدة المتعاملين الماليين الراغبين في دخول السوق الإيرانية. كيف يمكنكم تقويم الصعوبات التي تواجهونها؟

برونيه: من الصعب جداً للمرء التوغل في السوق الإيرانية بمفرده، وهناك بالفعل تعقيد في النظام المصرفي الخاص بإنشاء المؤسسات. أولاً، عليك أن تتأكد من أنه تتوفر حصة في السوق لشركتك أو استثمارك، ولكن الصعوبة تكمن أساساً في الحرص والتنبه بشكل خاص لمصدر و/أو وجهة الأموال، وذلك للتأكد من أنك تحترم المعايير الدولية.
لا يمكن لأي أميركي التعامل أو المشاركة في صفقة مع إيران، كما لا يمكن لأي منتَج صادر من الولايات المتحدة أو من بلد آخر ويحتوي على أكثر من 10% من مكوّنات أميركية الصنع أن يدخل السوق الإيرانية أو يكون محل الصفقة مع ذلك البلد. على سبيل المثال، لم يُسمح لشركة «إيرباص» ببيع طائراتها في إيران لأنها مجهزة بمحركات «جنرال إلكتريك» المصنّعة في الولايات المتحدة، ما يُمثّل أكثر من 10% من سعر الطائرة. وكانوا مرغمين للحصول على موافقة من السلطات الأميركية التي بدورها تعمدت عرقلة عملية البيع لربح الوقت واستيلاء شركة «بوينغ» على الصفقة. تُمثّل هذه العقوبات أهمية اقتصادية بالنسبة إلى الولايات المتحدة التي تسعى إلى ضمان الأولوية لتسويق منتجاتها.
ومن الناحية النظرية، إذا كان الترخيص للتحويلات باليورو قد تمّ، وهي كانت محظورة قبل كانون الثاني عام 2016، فإنّ الحظر لم يُرفع بعد عن الدولار، لذلك يجب علينا التأكد من أنه لن تكون هناك تحويلات بالعملة الأميركية.


نظرياً، بإمكان إيران
استقبال الاستثمارات
التي تلبّي احتياجاتها الماسّة لتحديث البنى التحتية


في فرنسا، عوقِب مصرف «BNP» بدفع غرامة 9.8 مليارات يورو لأنه لم يكن محتاطاً في عدد من العمليات التي قام بها في السودان وإيران. إيران لم تكن سوى الوجه الخفي لجبل الجليد لأنّ غالبية المدفوعات التي تخص الخرطوم تمت بالدولار، وبالتالي فهي تقع تحت القانون الأميركي بسب مبدأ تجاوز الاختصاص الإقليمي. ويجب أيضاً التأكد من عدم استفادة أي شخص ورد اسمه على قائمة (SDN)Specially Designated Nationals من أيّ تحويل مالي.
وقد أصدرت وكالة «أوفاك» المتخصصة في وزارة الخزينة الأميركية قائمة داخلية تضم ما بين 6 و8 آلاف اسم. القائمة النهائية الموحدة، أي القائمة التي تتضمن الملفات الأممية والأوروبية الإضافية، تحتوي على 15 ألف اسم. وبالتالي، لا بدّ من تحرّي جميع هذه القوائم لمعرفة ما إذا كان التحويل المالي لن يستفيد منه بشكل مباشر أو غير مباشر أشخاص يقعون تحت طائلة العقوبات. وعلى الرغم من أن هذه القائمة مفتوحة للجمهور، إلا أنها تتطلب عدداً من الأدوات الخاصة لتحديد من هم الأشخاص الذين يقعون تحت العقوبات لتجنب التعامل معهم. وأي خطأ في التدقيق ستنجم عنه عواقب وخيمة. أخيراً، من المستبعد استخدام برامج معلوماتية أميركية إذا رُبطت ببعض الأنشطة في إيران.

■ ما هي المشاكل التي يُسببها استخدام برامج معلوماتية داخلية غير أميركية؟

بروني: خذي كمثال شركات الشحن البحري أو الجوي التي تستخدم أنظمة حجز للشحن أو للركاب، فهي عليها حيازة نظام خاص بها لتجنّب اللجوء إلى برمجيات صممتها شركة أميركية. ولهذا الكثير من العواقب.
يجب أولاً تكوين موظفي الوكالات الذين لن يستخدموا النظام نفسه كبقية المساهمين الآخرين في جميع بلدان العالم، كما يجب إعلام موظفي المقر ببروتوكول الاستعمال، وبعد ذلك، يجب التنسيق بين نظامي الشحن والنقل، وأيضاً دفع العمولة إلى شركة النقل مع تفادي المعاملات بالدولار. كل هذا معقد للغاية.

■ هل إنّ تذبذب المصارف الأوروبية يرجع فقط إلى مبدأ التطبيق الخارجي للقانون الأميركي وصرامة «الأوفاك»؟

جورج سيوفي: الأمر لا يتعلق بمبدأ التطبيق الخارجي للقانون الأميركي أكثر مما يتعلق بالعقوبات في الولايات المتحدة بالذات. بعد الغرامة الهائلة التي صدرت في حق «BNP»، بادرت المصارف الأوروبية الى دراسة مقارنة بين إيجابيات التعامل مع إيران وسلبياته. المخاطر مرتفعة جداً، إذ إنّ المصارف رأت أنها لا تملك الوسائل المادية لفحص كل عمليات الدفع، وخصوصاً أنّ العديد منها لها فروع في الولايات المتحدة، ما يجعلها عرضة لمحاولات الضغوط الاقتصادية.
برغم ذلك، هناك بعض المصارف الإقليمية الصغيرة مثل المصارف الألمانية والنمسوية التي ليس لها وجود في الولايات المتحدة، وبالتالي إنّ الخطر عليها أقل مقارنة بغيرها. لقد اختارت هذه المصارف التعامل مع إيران، لكنها عمدت (الى تشديد الحرص والتنبه بشكل خاص لمصدر و/أو وجهة الأموال) وفوترة الصفقات بسعر باهظ. فهي تقتطع نسبة 3% من كلّ عملية تحويل (مثلاً ثلاثة آلاف دولار لكل مئة ألف)، وهي نسبة تُعدُّ مرتفعة (لكنّها) تُمثّل قيمة التأمين على المخاطر. كما أن الدراسة التي تُعدّ مسبقاً بما يخص الحرص والتنبه بشكل خاص لمصدر و/أو وجهة الأموال تدخل ضمن الأعباء في الفاتورة، ما يكلف الزبون ​​ما بين خمسة آلاف وعشرة آلاف دولار، مع الإشارة إلى أنّ تكلفة هذه الدراسة لا تدخل ضمن القيمة الإجمالية إلا لمرة واحدة وتبقى (نتيجتها) سارية المفعول بالنسبة إلى كل التحويلات إلى إيران. في الواقع، إنّ هذه الأعباء والعراقيل المفروضة مهمة إلى درجة أنّها تعيق نشاط المستثمرين والنشطاء الاقتصاديين. وبالتالي، فإن مبدأ تطبيق القانون الأميركي في الخارج له تأثير أقلّ من الضغوط التي تُمارسها الولايات المتحدة لشلّ المعاملات التجارية مع إيران. هي تلجأ إلى ممارسة الضغوط على المصارف الخارجية والمجموعات الكبيرة عبر التلويح بالغرامات. إنّ الإدارات المعنية في دراسة «مدى الالتزام» في المصارف الكبرى وفي الشركات فهمت الرسالة وهي تُفضّل عدم المخاطرة، وهذا أمر شائع في أوروبا، إذ يجري تفضيل حرمان الذات من السوق الإيرانية بدلاً من خسارة من السوق الأميركية. إنّها لعبة الأقوى.
■ هل لأوروبا بديل للنجاة بنفسها إزاء هذا الابتزاز الاقتصادي؟
سيوفي: لدى الدول الأوروبية رغبة شديدة في مساعدة شركاتها للاستقرار في إيران، وهي تدرك تماماً برودة المصارف تجاه هذا الأمر، لكنها لا تستطيع إرغامها على دخول السوق الإيرانية. برغم ذلك، فإنها تسعى إلى إيجاد حلول مناسبة. ففرنسا، على سبيل المثال، بصدد دراسة إمكانية ضخ أموال في مصرف الاستثمار العام «BPI» (تابع للدولة) من أجل تمويل عمليات تجارية مع إيران: منح قروض للمستثمرين تصل إلى مئات الملايين من اليورو سنوياً لإقامة أنشطة هناك. وفي هذا الصدد، أعلن هذا المصرف حديثاً وضع هذه السياسة للمساعدة في أنشطة التجارة مع إيران، وذلك بدءاً من منتصف هذا العام، إلا أنّ ذلك يسير بوتيرة بطيئة. وثمة حلول مشابهة من خلال عمليات التأمين (ضد مخاطر) الائتمان كما يحصل في إسبانيا، حيث ثمة صندوق خاص يموّل الشركات الإسبانية ويساعدها للعمل في إيران، في ظلّ رفض المصارف الخاصة الدخول في عمليات كهذه.

■ بعيداً عن المصاعب التي تواجه العمليات التجارية بيع/ شراء، ما الذي يفسّر المصاعب التي تواجهها إيران لاستقبال مورّدين ومستثمرين جدد؟

سيوفي: نظرياً، أصبح بإمكان إيران استقبال الاستثمارات التي تلبي احتياجاتها الماسة لتحديث البنى التحتية من مطارات وطرق وشبكات السكك الحديدية والموانئ. المشكلة تكمن في المبالغ الطائلة التي تكلفها هذه المشاريع، والصينيون هم وحدهم من يوافق على تمويل مثل هذه المشاريع المكلفة، شريطة إسناد إنجازها إلى شركات صينية. بعبارة أخرى، فإنهم لا يقدّمون تمويلاً صافياً، وهي مقاربة لا يستسيغها كثيراً الإيرانيون. أعتقد أن للقضية بعداً ثقافياً، إذ إنّ لإيران انجذاباً أكثر تجاه أوروبا. لكن بطبيعة الحال، هناك اعتبارات استراتيجية وسياسية: يبحث الإيرانيون عن الاستفادة من الصراع الدائر بين الولايات المتحدة وأوروبا. ولقد نجحوا من خلال وعدهم بمشاريع، بشكل يدفع الأوروبيين إلى الوقوف وقفة واحدة في وجه الرئيس الأميركي، ودفعهم نحو عرقلة ما كان يرمي إليه ترامب.