أعلنت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني سلسلة من التعديلات المقترحة على الدستور تطرقت إلى شؤون عدة، منها السياسة الخارجية القائمة على المنفعة المتبادلة، والمشاريع التنموية، وعلاقة الصين بباقي «الإنسانية»، وعلاقة الصينيين من جميع الإثنيات بعضهم ببعض في إطار مشروع «الاشتراكية بخصائص صينية» الذي اقترح البيان إدخاله في الدستور، إضافةً إلى قوانين لحماية البيئة ولإعطاء سلطة تشريعية كبرى للمدن الكبرى.


لكن أكثر الاقتراحات، التي وردت في البيان الصادر الأحد الماضي، والتي حازت اهتمام المعلقين والمختصين الغربيين، تضمن إلغاء البند الذي يمنع الرئيس ونائبه من الحفاظ على منصبيهما لأكثر من دورتين، إذ انهالت الردود الغربية محذرة الصين من أن التحسن الاقتصادي سيجلب معه اعتراضات شعبية على حرمانهم الحرية السياسية، لكنّ في ذلك اعترافاً ضمنياً، هو أن الصين باتت في الطريق الصحيح نحو ترجمة قوّتها الاقتصادية في التنمية الداخلية، وفي رفع مستوى معيشة مواطنيها إلى جانب مشاريع استثمارية دولية ضخمة.

ما تظهره الأرقام

لا يزال كثيرون ينظرون إلى الاقتصاد الصيني على أنه صناعي فحسب، في وقت تزداد فيه القدرة الاستهلاكية للشعب الصيني مع كل عام، إذ وصل الاستهلاك في 2017 إلى ما يقارب 40% من الناتج المحلي، كما أضاف المستهلكون الصينيون منذ 2010 نحو 2.9 تريليون دولار إلى الاقتصاد العالمي. مع ذلك، يُشكك متابعون بصدقية البيانات الاقتصادية الرسمية الصينية لعام 2017، ولكنّهم ما عادوا قادرين على إنكار أهميتها في الاقتصاد العالمي مع تحول اقتصادها من الاعتماد الأساسي على الإنتاج الصناعي إلى الاستهلاك المحلي. وكما ذكر الرئيس السابق لـ«غولدمان ساكس»، جيم أونيل، فإنه لا بد النظر إلى الأرقام الرسمية في سياق الأرقام الخاصة بشركائها التجاريين والشركات الدولية الكبرى التي لديها أعمال تجارية في الصين. ومن هنا يشير أونيل إلى أن الصين قد تجاوزت بشراكتها التجارية مع ألمانيا كلاً من فرنسا والولايات المتحدة.


خلقت بكين في عام
واحد اقتصاداً جديداً
بحجم كوريا الجنوبية

من جهة أخرى، تظهر البيانات الرسمية لـ2017 أنه وصل النمو في الناتج الإجمالي المحلي الحقيقي (أي المعدّل بحسب التضخم) في الصين إلى 6.9%، ما يشكّل قفزة من 6.7% لعام 2016، وأعلى بـ0.4% من الهدف الذي حددته الحكومة لعام 2017 عند 6.5%. ولكن يشدد أونيل على أن الرقم الأكثر أهمية هو نمو الناتج المحلي الإجمالي الاسمي للصين حينما يترجم للدولار، وذلك لأنه بفضل رنمينبي (العملة الصينية) معزز، نما إجمالي الناتج المحلي ليصل إلى 12.7 تريليون دولار عام 2017، أي ارتفع بنحو 13%، أو 1.5 تريليون دولار خلال عام. هذا يعني أنه من حيث القيمة الاسمية، خلقت الصين خلال عام واحد اقتصاداً جديداً بحجم كوريا الجنوبية، وضعفي الاقتصاد السويسري. جراء ذلك، لا تبدو ذاتَ معنى التوقعات التي تقول إن الصين تتجه نحو دورة انكماشية طويلة الأمد أو تحذو حذو اليابان. وكما يقول أونيل، لم تتجنب بكين الانكماش فحسب، بل فعلت ذلك بعملة ترتفع قيمتها.
لم يكن الغرب يتوقع من الصين أن تحقق حتى جزءاً مما حققته في العقود الماضية. يقول أونيل إنهم في «غولدمان ساكس» كانوا يتوقعون أن تصل الصين إلى مستوى اليابان عام 2015 (بطبيعة الحال كانوا يتوقعون أن تتخذ الصين منحىً مختلفاً حيال النموذج الاقتصادي المعتمد). واليوم بات الاقتصاد الصيني يساوي نحو ضعفي ونصف اقتصاد اليابان، كذلك تشير البيانات الرسمية إلى أنه قد تدرك الصين حجم اقتصاد الولايات المتحدة مع حلول 2027.

نظام عالمي جديد؟

وفي ظل الحديث المتزايد عن نظام عالمي جديد بقيادة الصين، يظهر رأي الصين حيال ذلك في بيان اللجنة المركزية الذي قال إنه «لا يمكن فصل إنجازات الصين في الثورة والبناء والإصلاح عن دعم شعوب العالم؛ مستقبل الصين مرتبط مباشرةً بمستقبل العالم». كذلك يموقع البيان الصين بوضوح بديلاً من الولايات المتحدة، عندما يقول إن الأولى «تعارض دوماً الإمبريالية والهيمنة والاستعمار»، وإنها «تلتزم طريق التنمية والسلام القائم على استراتيجيات مفيدة للطرفين». لكن المسألة أعقد من هذا، إذ لا بد من التذكير بأن بكين تستثمر تريليارات الدولارات في سندات الخزينة الأميركية، وليس من مصلحتها أن ينهار الدولار (تزداد المخاوف اليوم مع الكلام الذي يصدر عن بعض وزراء الحكومة الأميركية حول مصلحة اقتصادية لها كامنة في دولار منخفض القيمة، ما قد يحمل تبعات كارثية).
واستمرار الصين في الاستثمار في السندات الأميركية، وهو ما تعتمد عليه واشنطن إلى حد كبير للحفاظ على قيمة الدولار، قد يراكم على بكين تبعات أخطر في المدى الطويل، إضافة إلى الكمية الهائلة من الدين (257% من الناتج المحلي عام 2017) الذي راكمته منذ ما بعد أزمة 2008 لتمويل الاستثمار المفرط وانخفاض التصدير آنذاك.
لذلك، تبحث الصين عن حلول لتفادي الأزمات التي تنتظرها عبر خلق «تعاون إقليمي ودولي» في الاستثمار والإنتاج والتبادل التجاري، وعبر التخلي عن النمو المرتفع من أجل خلق اقتصاد خدماتي محلي يعتمد أساساً على الإنترنت. ويرافق انخفاض الاعتماد على الإنتاج سياسات إيكولوجية (بيئية) للحدّ من آثار التلوث (أمر قد يجزم كثيرون بأحقية أنه فات الأوان لتحقيقه)، إضافة إلى الاستثمار في البحوث العلمية والتطور التكنولوجي والأتمتة والذكاء الاصطناعي، وكلها موجهة نحو مسار قد لا يمكن تحديده بعد. من هنا، تقف الصين اليوم أمام اختبار في التفاقم الرأسمالي والتكنولوجي أكثر من كونها مشروع دولة متقدمة ناجحة أو فاشلة فحسب.