إسطنبول | بعد أسبوعين على أول اعتصام شبابي في حديقة غازي قرب ساحة تقسيم وسط إسطنبول، لم يعد أحد يدري كيف سيُحسم الموضوع ولمصلحة من؟ فمن الواضح جداً أن رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان لن يرضخ لمطالب المتظاهرين، في الوقت الذي يبدو فيه موقفهم أقل قوة من قوة الحكومة التي تملك كل إمكانيات الدولة التي لم يستخدمها أردوغان حتى الآن. والواضح أن عدم استخدامه لذلك يعود إلى أسباب عديدة: أولاً، خوفاً من ردود فعل العواصم الغربية. وثانياً، حتى لا يقال عن تجربته الديموقراطية إنها فاشلة أو غير نموذجية بالنسبة إلى دول الربيع لعربي.


ويدفع هذا الحساب أردوغان الى مزيد من الصبر تجاه المتظاهرين وتحول تجمعهم في ساحة تقسيم إلى مهرجان شعبي بمشاركة كل فئات الشعب التركي، بمن فيهم البعض من الذين صوّتوا لحزب العدالة والتنمية.
وقد أثبت استطلاع للرأي أن 8 في المئة من المشاركين في تظاهرات إسطنبول هم من أنصار الحزب الحاكم، بينما يبدو أنهم قد انزعجوا من سياسات أردوغان الأخيرة على الصعيدين الداخلي والخارجي، وخاصة موضوع سوريا، من دون أن يكون هذا الانزعاج كافياً بالنسبة إلى أردوغان حتى يفكر في إجراء أي انتخابات برلمانية مبكرة، طبعاً على الرغم من أن حزبه هو الأكثر حظاً حسب جميع استطلاعات الرأي.
واللافت في هذا المضمار غياب المعارضة السياسية القوية، إذ إن حزبي الشعب الجمهوري والحركة القومية يعانيان من مشاكل داخلية، في الوقت الذي تستعد فيه البلاد للانتخابات البلدية العامة في آذار المقبل، وبعدها في آب عام 2014 لانتخاب رئيس جديد للجمهورية.
ويبدو أن انتفاضة تقسيم ونتائجها المحتملة سيؤثران في هذه الانتخابات بنحول أو بآخر، حيث بدا الخلاف واضحاً بين الرئيس عبدالله غول ورئيس الوزراء بشأن ما يتعلق بأسلوب معالجة الانتفاضة.
فالرئيس غول أعلن أن رسائل هذه الاحتجاجات وصلت، بينما رفض أردوغان هذه الرسائل التي إن استمر في تجاهلها فسيواجه مشاكل جدية على طريق مساعيه لتعديل الدستور وتحويل النظام السياسي إلى رئاسي.
وحتى يصبح أردوغان رئيساً للجمهورية بصلاحيات مطلقة، كما هي الحال في أميركا أو فرنسا، يتوقع الكثيرون أن يفجّر الخلاف بين الرجلين حول انتفاضة تقسيم، الخلافات داخل العدالة والتنمية خلال الأشهر القليلة المقبلة.
خلافات ستؤدي حتماً إلى أن يفقد أردوغان فرص الذهاب إلى قصر شنقايا الجمهوري بصلاحيات السلطان.
وجاءت مواقف العواصم الغربية، وخصوصاً واشنطن التي انتقدت سلوك الحكومة التركية، لتزيد من الأمور تعقيداً بالنسبة إلى أردوغان الذي لم يتردد في اتهام القوى الخارجية والداخلية بتحريض المواطنين وإضعاف حكومته، التي يعرف الجميع أنه لولا الدعم الأميركي لها لما حققت كل هذه الإنجازات الداخلية، وفي مقدمتها التخلص من العسكر ومن ثم تحسين الاقتصاد، سبب دعم الجماهير لأردوغان. بغياب العسكر لم يعد هناك أي خطر يهدد مستقبل حكومة أردوغان، وباستمرار نجاحاتها الاقتصادية ستضمن دعم الجماهير لها، على أن يبقى فشلها في سوريا من أهم الأسباب التي قد تدفع واشنطن الى إعادة النظر في علاقاتها مع أنقرة، بعدما فقد رئيس حكومتها الدعم الأميركي.
هنا سيجد أردوغان نفسه في وضع صعب جداً داخل حزب العدالة والتنمية، وبنحو خاص مع منافسه السري غول، الذي قد يعود إلى رئاسة الحكومة بعد أن يترك القصر الجمهوري للأول، ولكن من دون صلاحيات يحلم بها.
هذا بالطبع إن لم يكن كل ما نراه جزءاً من سيناريو وضعه أردوغان شخصياً لحسابات عديدة قد تساعده في ترسيخ سلطته في الشارع الشعبي.
وبعد أن حمّل مسؤولية التظاهرات الأخيرة لحزب الشعب الجمهوري وأظهره كما لو أنه مع «المخربين» المتظاهرين، بقي حزب الحركة القومية بعيداً عن الاحتجاجات حاله حال الأكراد الذين التزموا باتفاق أردوغان مع زعيم حزب العمال الكردستاني عبدالله أوجلان، وهو ما جعل المتظاهرين أقل قوة لافتقارهم إلى أي تنظيمات تقودهم نحو انتصارات مستقبلية في تحدّي الحكومة الأقوى بسبب قوة وسائل الإعلام الموالية لها.
وتصدق غالبية الشعب التركي كل ما تقوله الحكومة، ما دام أردوغان يتحدث يومياً ٣-٤ مرات، وتضطر محطات التلفزيون إلى نقل خطاباته على الهواء مباشرة على الرغم من تناقضاتها البارزة.
لكن يبقى الانتصار الوحيد للمتظاهرين هو أنهم كسروا جدار الخوف الذي كان يخيم على جميع الناس.
وبعد أن أرهبهم أردوغان بأدوات الدولة المعروفة، يبدو أن شباب الجيل الجديد لم يعد يبالي بسطوة السلطة، ما دام يعي أنه على حق، وأن ما يطالب به هو الحرية فقط، التي سعى أردوغان طيلة السنوات العشر الماضية الى سلبها منهم.
بالتأكيد الحرية ستمنع حزب العدالة من تحقيق حلمه العظيم بتحويل تركيا إلى دولة إسلامية تقود العالم العربي والإسلامي.
إلا أن هذه الصورة التي يحلم بها أردوغان لن يقبل بها الأتراك، بمن فيهم الكثير من الذين صوّتوا ويصوّتون لحزب العدالة والتنمية. والسبب في ذلك بسيط: الأتاتوركية بكل سلبياتها وإيجابياتها قد جعلت من المجتمع التركي يختلف تماماً وبكل المعطيات عن المجتمعات العربية والإسلامية، وخاصة الخليجية، حليفة أردوغان، والتي لا يمكن أي مواطن تركي أن يقبل بها. لعل هذا هو سر انتفاضة تقسيم والفشل المحتمل للحلم الأردوغاني.