إسطنبول | يبدو أنّ «موسى» الحرب التركية المفتوحة على حزب العمال الكردستاني وكل ما يرتبط بها من قريب أو بعيد، في طريق الوصول إلى رقاب أقوى رجال الحكم على الإطلاق في البلاد؛ ففي خطوة صدمت الكثيرين، تقرّر أن يمثل اليوم كل من رئيس الاستخبارات التركية حقان فيدان، المقرب جداً من رئيس الحكومة رجب طيب أردوغان، شخصياً، ونائب فيدان آفت غونيش، والرئيس السابق للاستخبارات إمري تانر، أمام المدعي العام لإسطنبول للإدلاء بشهاداتهم في «قضايا إرهابية»، وتحديداً في قضية «اتحاد المنظمات الكردية» (KCK) التي تُعَدّ بمثابة الجناح المديني لحزب العمال الكردستاني.


نبأ أُعلن ليل أول من أمس، لكنّ الالتباس ظلّ عنوانه؛ إذ لم يتضح ما إذا كان حضور المسؤولين الثلاثة هدفه محصور بالإدلاء بشهاداتهم، أو أنّهم متهمون. ووسط رفض الادعاء العام في إسطنبول نفي أو تأكيد ما إذا كان الرجال الثلاثة متهمين أو لا، استفاقت تركيا أمس على تأكيد الإعلام أن فيدان وتانر وغونيش سيدلون بشهاداتهم بالفعل، لكن كمتهمين بـ«قضايا كبرى»، منها عدم اتخاذ الإجراءات الكافية لمنع تنفيذ «العمال الكردستاني» عمليات نوعية كانوا على علم مسبق بحصولها. كل ذلك إضافة إلى تهم تتعلق بالتواصل مع مسؤولين في حزب عبد الله أوجلان بما يخالف القواعد التركية الموضوعة للتواصل بين مؤسسات الدولة والحزب «الإرهابي» بالمعايير التركية.
القضية مفاجئة، لا بل صادمة لأسباب عديدة سمحت بحديث من الإعلاميين والسياسيين الأتراك عن احتمال وجود «مؤامرة» خلف استدعاء فيدان. فالرجل، وهو صديق لأردوغان، شخصية يُنظر إليها على أنها ناجحة جداً في تركيا في جهاز الاستخبارات الداخلية والخارجية. ثم إنّ استدعاءه للإدلاء بشهادته كمتهم (إن صحّ إجماع الاعلام التركي على صفة المتهم)، مبنيّ على معلومات مصدرها تسجيل صوتي له خلال اجتماعه بمسؤولين كبار من «العمال الكردستاني» في أوسلو عام 2010، في مفاوضات كانت سرية في حينها بين الطرفين للبحث عن حلّ حقيقي للأزمة الكردية في تركيا، باءت بالفشل في اللحظات الأخيرة.
وبالنسبة إلى ما يتعلق بشبهة امتلاك فيدان وزميليه معلومات عن عمليات ينوي «الكردستاني» تنفيذها ولم يتخذوا ما يكفي من إجراءات لمنعها، فقد سبق لبعض محامي أوجلان المعتقلين أن كشفوا، خلال التحقيق معهم، أنّ «جهاز الاستخبارات كان على علم بكل نشاطاتهم ومشاريعهم».
أما في ما يتعلق باجتماعات فيدان، نائب رئيس جهاز الاستخبارات في حينها، مع قيادات «العمال الكردستاني» في أوسلو عام 2010، فإن المشكلة تكمن في تسريب تسجيل صوتي قبل أشهر مدته 50 دقيقة قد يدين فيدان وزميليه بتهم كبيرة بالمعايير التركية. في التسجيل، يقول فيدان «السيد أوجلان» في كل مرة يذكر فيها «آبو» مع محدثيه من «العمال الكردستاني»، وهو ما يصفه القانون التركي بأنه جريمة. وفي الجلسة نفسها، يشدد فيدان على ضرورة استمرار الاجتماعات بينه وبين قيادات حزب العمال الكردستاني «لإيجاد حل للمسألة الكردية». أكثر من ذلك، يحوي التسجيل المذكور ما هو أخطر؛ إذ يُسمع غونيش، نائب رئيس جهاز الاستخبارات، يقول إن جهازه «يدرك أن حزب العمال الكردستاني زرع المدن التركية بعبوات مفخخة جاهزة للتفجير في أي وقت».
وفي القراءات المتعددة للحدث، يربط البعض في تركيا هذا التطور بواقع أنّ أقساماً عديدة وقوية من الجهاز القضائي التركي لا تزال حتى اليوم محسوبة على المؤسسة العسكرية. من هنا، يضع البعض هذه الحملة في إطار الحرب الباردة بين ما بقي من نفوذ للجيش في السلطة ضد أردوغان وحكومته. وكان لافتاً أن تياراً ثانياً من المعلّقين والصحافيين ربط الأمر بـ«مؤامرة» مصدرها الداعية الإسلامي التركي المقيم في الولايات المتحدة، الملياردير الشديد النفوذ في تركيا وخارجها، فتح الله غولن. أصحاب هذا التحليل يعترفون بأن غولن داعم رئيسي لحزب أردوغان «العدالة والتنمية»، لكنهم يبررون اتهامه ومؤسساته بالوقوف خلف مخطط القضاء على فيدان بالتأكيد أن غولن يخدم المشروع الأميركي والإسرائيلي بالكامل، بدليل أنه مثلاً كان أشد المعارضين لسماح تركيا بإبحار قافلة «أسطول الحرية» في أيار 2010. انطلاقاً من ذلك، يقول هؤلاء إن جماعة غولن، «المتغلغلين في جهازي الشرطة والقضاء» التركيين، يضعون نصب أعينهم «اجتياح» المناطق الكردية حيث النفوذ الأساسي هو لـ«اتحاد المنظمات الكردية» التي يريد فيدان وزملاؤه استمرار التواصل والتفاوض معهم. إضافة إلى ذلك، يرى أصحاب الرأي الذي يتهم غولن ومجموعته بالوقوف خلف «تلفيق» التهم لفيدان، أنّ الأخير كبر حجمه في السياستين الخارجية والمحلية التركية «بما لا يُحتمل»، وخصوصاً في الشؤون الخارجية التي يبدو الشاب (44 عاماً فقط) متخصصاً فيها، بما أنه سبق له أن عمل مبعوثاً خاصاً لأردوغان بكل ما يتعلق بالملفين الإيراني والسوري، لذلك بات يُقال عنه إنه «رجل إيران في أنقرة»، وهذه إحدى حجج البعض لاتهام غولن، «صاحب المشروع الإسلامي السني المعتدل الحليف لواشنطن»، بالوقوف خلف توريط فيدان وصحبه.




فور شيوع النبأ القضائي ــ السياسي، أمس، سارع كبار أركان الحكومة والحزب الحاكم في تركيا إلى الإشادة بمدير جهاز الاستخبارات التركية حقان فيدان. ورداً على سؤال في الموضوع، قال وزير الخارجية أحمد داوود أوغلو إنه يعمل ويتواصل يومياً مع فيدان «الناجح جداً هو وفريق عمله». بدوره، أشار نائب رئيس حزب «العدالة والتنمية» الحاكم عمر جليك إلى أن فيدان «شخص أكثر من أساسي في إعادة هيكلة جهاز الاستخبارات التركية».