رغم استمرار الفرز في الكثير من الولايات الأميركية حتى ساعات الصباح الأولى، بات من شبه المؤكد أن الرئيس المنتهية ولايته باراك أوباما في طريقه إلى الاحتفاظ بمنصبه لولاية جديدة في البيت الأبيض، بعدما منحته الولايات المتأرجحة أسبقية صريحة على منافسه ميت رومني، حتى في ولاية فلوريدا التي بقي المرشحان فيها على مسافة متقاربة، إلا أن ما تبقي للفرز كان في حساب الديموقراطيين.


أفضلية أوباما منحتها النتائج الأولية ا في أكثر من ولاية غير محسومة نتائجها سلفاً. إذ بحسب النظام الانتخابي الأميركي يحظى الرئيس المنتهية ولايته بـ 243 صوتاً بالمجمع الانتخابي، أي يحتاج إلى 27 صوتاً للفوز. وهو ما يمكن أن يؤمنه من ولايات أوهايو (18 صوتاً) وويسكنسن (10 أصوات) التي فاز بها رسمياً بشكل مريح، كما فاز في نيومامبشير (4 أصوات)، وكان متقدماً في كولورادو (9 أصوات). أما فلوريدا (29 صوتاً) فبقيت النسب فيها متقاربة مع فرز 85 في المئة من الأصوات، إلا أن المناطق المتبقة للتفرز تقع في نطاق السيطرة الديموقراطية، وهو ما سيرجح فوز أوباما أيضاً في هذه الولاية، ليتخطى بفارق كبير الـ 270 صوتاً الكفيلة بتأمين تنصيبه مجدداً رئيساً من قبل المجمع الانتخابي.
وكان رومني يراهن على فقدان الناخبين الحماسة لأوباما وعدم التصويت بالنسب نفسها لانتخابات 2008، ومراهنته بالتالي على ربحه هو. لكن حملة أوباما نفسها لم تراهن على نسب 2008، وكان مستشارو الرئيس يعرفون مسبقاً أنّ حماسة الناس للتغيير في 2008 لم تعد نفسها في 2012، وخصوصاً بعدما اختبروا فشل أوباما في تحقيق جزء من وعوده الانتخابية. لكنّ أوباما والمحيطين به كانوا يراهنون على ارتفاع نسبة التأييد له بين الناخبين من الأقليات العرقية والنساء، باعتباره يمثّل الأمل الوحيد لتغيير أوضاعهم والتمييز اللاحق بهم. وفي النهاية كانت الانتخابات تتعلق في حقيقة الأمر باختيار الناخبين من اعتبروه قادراً على إصلاح الوضع الاقتصادي، وبخيارهم الشخصي لما يريدون أن تكون الحكومة عليه في القرن الحادي والعشرين (موسعة أو صغيرة).
ودخل المرشحان يوم أمس وكلّ يتطلع إلى إنهاء أو استكمال حياة سياسية مختلفة، إذ أوباما كان يدخل آخر انتخابات في حياته السياسية القصيرة، فهو لم يبرز على مستوى وطني إلا بعد 2004 حين انتخب لمجلس الشيوخ، إذ كان قبل ذلك عضواً في مجلس الشيوخ المحلي في ولاية إيلينوي. وهو دخل السياسة أصلاً في 1997. أما رومني فهو كان يتوّج سبع سنوات من المحاولات للترشح الى أهم منصب سياسي في الولايات المتحدة، وربما العالم، بعد فشله في الانتخابات السابقة من تخطّي عقبة منافسيه الحزبيين. ولا تزيد خبرته السياسية عن أوباما بالكثير، إذ هو حاول الدخول في السياسة منذ 1994، ولم ينجح سوى في 2002 في أن يصبح حاكماً لولاية ماساشوستس.
وكان اليوم الانتخابي طويلاً أمام المرشحين، إذ قرر رومني مساء الاثنين تغيير برنامجه وعدم البقاء في ولاية نيوهامبشر والانتقال الى ولايتي بنسيلفانيا وأوهايو لمحاولة التأثير على أكبر عدد من الناخبين، فيما قضى أوباما يوم أمس في أوهايو أيضاً، بعد زيارة خاطفة لمدينته شيكاغو في ولاية إيلينوي صباحاً، حيث توقف في أحد مراكز حملته واتصل شخصياً ببعض المتطوعين ليشكرهم على وقوفهم الى جانبه. وقضى يومه مجرياً المقابلات مع محطات تلفزيونية محلية في كولورادو، وفلوريدا، وايوا، ونيفادا وويسكونسن، وواشنطن. ولم ينس أوباما شكر رومني على جهوده في الانتخابات. وكان هذا الأخير قد انتخب أمس، ولم يقترع مسبقاً كما فعل أوباما وزوجته ميشيل منذ أسابيع، وكذلك 31 مليون ناخب أميركي. واقترع رومني في بلدته بلمونت في ماساشوستس باكراً قبل أن يبدأ جولته المكوكية بين الولايات.
وكان مساء الاثنين متشابهاً لدى لطرفين، إذ أنهى رومني حملته بحفلة موسيقية للمغني «كيد روك» في مدينة مانشستر في ولاية نيوهامبشر، فيما كان أوباما يشارك في حفلة أقامها المغني الشهير بروس سبرينغستين دعماً له في مدينة كولومبوس في أوهايو مع مغني الراب والهيب هوب «جاي زي». وبقي سبرينغستين على متن طائرة الرئيس طيلة النهار متنقلاً معه من ولاية الى أخرى.
ويوم أمس، كان جو بايدن، نائب الرئيس، من سرق الأضواء الانتخابية لبضع ساعات. فهو صوّت باكراً في بلدته غرينفيل في ولاية ديلاوير، التي مثّلها ست مرات في مجلس الشيوخ قبل أن يصبح نائباً للرئيس في 2008. وتناقلت المواقع الإلكترونية شريطاً له وهو يمزح مع الناخبين أثناء انتظاره دوره للتصويت، ويغازل الفتاة التي تقف أمامه، أي يتصرف كما يفعل دوماً. ولمّح بايدن إلى إمكان ترشحه للرئاسة في 2016، إذ حين سأله أحد المراسلين الموجودين في القاعة عمّا إذا كانت هذه هي المرة الأخيرة التي يصوّت فيها لنفسه، أجابه بايدن بالنفي، فاتحاً المجال أمام تأويلات عدّة، خصوصاً أنّه قال الأسبوع الماضي، أثناء الحديث مع إحدى الناخبات في ولاية فلوريدا إنّه سيترشح، لكن حديثه عدّ مزحة آنذاك. وتوّج النهار الانتخابي الطويل بليلة طويلة أمام التلفاز للناخبين والمرشحين على السواء، لمعرفة النتائج ومعرفة ما إذا كانت المليارات الستة من الدولارات قد أتت نتيجتها كما يريد كل طرف.
لكن اليوم، وبعد انتهاء سنة ونصف من الحملات الانتخابية الشرسة، أمام الرئيس الخامس والأربعين للولايات المتحدة مهمات صعبة: بناء الاقتصاد المتعثر منذ سنوات، اتخاذ قرار نهائي بشأن برامج الرعاية الصحية، اتخذا قرار مصيري بشأن الضرائب (زيادتها أو لا لتمويل العجز)، كيفية إنهاء الحرب في أفغانستان من دون زيادة خسائر واشنطن، وأخيراً والأهم كيف سيتعامل مع دول العالم العربي في عالم ما بعد الثورات.
(الأخبار، أ ف ب، رويترز، أ ب)