باريس | سيطرت قوة «ليكورن» الفرنسية المشاركة في قوات حفظ السلام الأممية على مطار أبيدجان، العاصمة الاقتصادية لساحل العاج، حسب ما ذكر المتحدث باسم قيادة الأركان الفرنسية تيري بوركارد، فيما القتال مستعر بين قوات رئيس ساحل العاج المنتهية ولايته لوران غباغبو، وقوات الحسن وتارا، الذي تعترف به الأسرة الدولية رئيساً شرعياً وتدعمه باريس بقوة. وقد عقد الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي اجتماع عمل في الإليزيه شارك فيه رئيس الوزراء ووزيرا الدفاع والخارجية، بعدما عززت فرنسا وجودها في ساحل العاج بإرسال ٣٠٠ جندي إضافي، ليصل عديد قواتها إلى ١٥٠٠ جندي باتت مهمتهم الرئيسية، حسب تصريح مصادر مسؤولة في باريس، حماية الفرنسيين والأجانب، وبينهم نحو ٤٠٠ لبناني، من الهجمات وعمليات السلب والنهب التي تسود المدينة.


وقد وصلت مع قوات وتارا أخبار عن «مجازر تركتها قواته في غرب البلاد»، وهو ما دفع أكثر من مسؤول غربي إلى تنبيه الرئيس المنتخب إلى ضرورة «امتناع قواته عن ارتكاب جرائم»، في إشارة إلى ما حدث في مدينة «دويكوي». في هذه المدينة، ذكرت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن ٨٠٠ شخص قتلوا في يوم واحد في جريمة «مروعة من حيث حجمها ووحشيتها»، وإن هي اكتفت بعدم إلقاء المسؤولية على طرف محدد، مكتفية بوصف المجازر التي حصلت على نطاق واسع بأنها جاءت نتيجة «قتال بين المتحاربين».
وفيما قدرت بعثة الأمم المتحدة عدد القتلى بنحو ٣٣٠ شخصاً، متهمة المقاتلين «من المعسكرين المتنازعين بالضلوع في عمليات القتل الجماعية»، أعلنت منظمة «كاريتاس» الكاثولوكية أن ألف شخص «قتلوا أو فُقدوا» في المدينة. وتحدثت مصادر متقاطعة عن أن معظم الضحايا قتلوا بيد الصيادين التقليديين المعروفين باسم «دوزوس» الذين يحاربون في معسكر وتارا. وقد نفى سيدو وتارا، المتحدث باسم القوات الجمهورية الموالية لوتارا، التهم عن قواته. وأشار إلى أن تلك القوات قتلت «عناصر مليشيات لا مدنيين»، مشدداً على أن «كل مدني يحمل سلاحاً يعامل كميليشيوي ويعدّ مقاتلاً».
وأكد الخبير في مجموعة الأزمات، رينالدو ديباغني، الاتهامات التي طاولت قوات الرئيس المنتخب بقوله «إنها قد تضر إضراراً كبيراً بصدقية وتارا». وأضاف إن ما حدث «ليس جيداً بالنسبة إليه على الإطلاق». وأشار إلى وتارا، المنتخب «ديموقراطياً»، بأنه يرتدي بذلة جيدة وله مظهر محترم «متعود التعامل مع العالم الغربي»، إلا أنه استدرك بالقول «إن رداءه قد بات قذراً» بعد هذه المجازر، حسب ما نقلت عنه وكالة «فرانس برس». ويتفق جميع المراقبين على أن المعركة الكبرى سوف تكون في أبيدجان التي تحاصرها قوات وتارا، وتقصف المواقع التي يتمركز فيها غباغبو ومؤيدوه، بالأسلحة الثقيلة وقذائف الهاون التي تتركز على القصر الرئاسي، حسب مراسلي الوكالات. وقد أعاد أنصار غباغبو، وخصوصاً الحرس الرئاسي، المؤلف من القبائل الموالية له احتلال الإذاعة والتلفزيون، وبدأوا ببث أغانٍ حماسية وصور للرئيس من دون تاريخ محدد. وقد كشف أحد المقربين من غباغبو، في اتصال مع «الأخبار» قبل الهجوم على أبيدجان، أن غباغبو قبل الدعوة إلى التفاوض بناءً على إلحاح قبيلته والقبائل الحليفة له الموجودة في منطقة «بيتي»، التي قالت له إنها تتخوف من مذبحة بعدما وصلت طلائع قوات وتارا إلى غرب البلاد.
وبعد سقوط مدينة دلوا، على بعد نحو ٦٠ كيلومتراً من مدينة «دويكوي» حيث حصلت المذابح، حمّل أعضاء القبيلة غباغبو مسؤولية ما يمكن أن يحصل لقبيلتهم مع التذكير بمجازر رواندا. ويفسر هذا انسحاب عدد كبير من العسكريين وتراجعهم عن القتال لصد القوات الآتية من الشمال وعدم دفاعهم عن العاصمة السياسية يماسوكرو. ويرى المراقبون في ذلك بداية حرب بين «مدن القبائل»، إذ إنه منذ وصول غباغبو إلى الحكم بدأت القبائل تنطوي على مدنها الأصلية وتطرد أبناء القبائل الأخرى، ما عدا أبيدجان، وهو ما حاولت قوات غباغبو تطبيقه في ضاحية «أبوبو»، وخصوصاً في حي «PK18» الفقير، ما أدّى إلى مقتل ما يزيد على ألف ضحية في مطلع السنة.
ويدفع هذا إلى الخوف من تقسيم للبلاد بعدما عيّن وتارا محافظي مناطق الشمال من أبناء الشمال، ما دفع بعدد من أبناء الجنوب إلى النزوح نحو الغرب والشرق. ومن هنا يأتي القلق من مذابح إثنية قبلية في أبيدجان، حيث يتعايش أربعة ملايين عاجي إلى جانب عدد كبير من المهاجرين الأفارقة، الذين ينتمون إلى قبائل من خارج شاطئ العاج، الذين يمكن أن يكونوا أول من يدفع ثمن هذه الحرب الأهلية في غياب أي إمكان للترحيل، كما هي حال الأجانب وسكان المناطق الحدودية.
وقد أكدت مصادر مختلفة أن «عمليات سلب ونهب منظمة بدأت خارج الأحياء الأوروبية من ليل السبت يقوم بها مسلحون ينتمون إلى جيش الرئيس المنتخب، تستهدف أنصار غباغبو للرد على ما حصل في السابع من آذار، حين هاجمت ميليشيا بحماية الشرطة ونهبت منازل مؤيدي وتارا، وبينها عشرة منازل تابعة لوزراء انضموا إلى الحكومة الجديدة».
في هذه الأثناء، لا يزال اللاجئون يتوافدون على قاعدة «بور بويه» الفرنسية، وقد بلغ عددهم أمس ١٤٠٠، في ظل معلومات عن «عدم إمكان استقبال آخرين»، ما دفع بالفرنسيين إلى البدء بتشغيل المطار وأُرسلت أول دفعة من الفرنسيين إلى لومي في توغو تضمنت ٧٧ شخصاً، ودفعة ثانية إلى دكار في السنغال ضمت ١٨٨ فرنسياً، بينهم عدد من مزدوجي الجنسية، ومنهم بعض اللبنانيين الذين تعذر معرفة هوياتهم.