«إنه انتصار كبير لفرنسا»، هكذا وصف الرئيس نيكولا ساركوزي انتخاب وزيرة اقتصاده، كريستين لاغارد، على رأس صندوق النقد الدولي، خلفاً لمواطنهما دومينيك شتراوس ـــــ كان، الذي اضطُرّ إلى الاستقالة في أيار الماضي على أثر فضيحة اتهامه بالاعتداء جنسياً على خادمة في فندق نيويوركي.

لم يكن من السهل إقناع مجلس إدارة الصندوق الدولي بقبول مرشح فرنسي، بعد الصدمة التي مثّلتها فضحية شتراوس ـــــ كان، لكن كريستين لاغارد راهنت على مواصفات عدة جعلتها تظهر في صورة مغايرة تماماً لخلفها. ساركوزي تحمس لترشيحها من منطلق أن اختيار امرأة خلفاً لرجل أطاحته فضيحة جنسية سيساعد على امتصاص تلك الصدمة الأخلاقية التي عدّها كثيرون انتكاسة لصورة فرنسا عبر العالم. أما القائمون على صندوق النقد الدولي، فلمسوا لدى لاغارد ميزات أخرى تعد، في منظورهم، أهم من رمزية كونها امرأة. فهي، بخلاف الاشتراكي ستراوش ـــــ كان، ليبرالية التوجه، وتتحدّر من صلب النظام المالي العالمي. والجميع في فرنسا يذكر تصريحاتها الاستفزازية، في بداية توليها منصب وزيرة الاقتصاد، عام 2007، حيث علّقت على حركات الاحتجاج ضد الارتفاع الكبير في أسعار الوقود، بقولها: «الذين يجدون أن سعر البنزين مرتفع، ما عليهم إلا أن يستعملوا دراجات هوائية»، الشيء الذي جعل الصحف تلقّبها بـ « تاتشر الفرنسية».
لكن انفجار الأزمة المالية العالمية، عام 2008، أدى إلى كبح توجهات لاغارد المغالية في الليبرالية، على الأقل على الصعيد اللفظي، تجاوباً مع وعود الرئيس ساركوزي بانتهاج سياسة أكثر اعتدالاً من أجل «أنسنة الرأسمالية». أما على الصعيد الملموس، فقد استمرت لاغارد في انتهاج سياسة اقتصادية متشددة تُرجمت من خلال تجميد الأجور (التضخم) وتسريح العمال (ارتفاع البطالة) وتعديل نظام التقاعد. وفي مقابل هذا الشطط اليميني تجاه الفئات الاجتماعية البسيطة، أغدقت نزيلة «بيرسي» الامتيازات على كبريات الشركات وأرباب العمل، بدءاً بإنقاذ البنوك بقروض مجزية وصلت حدوداً كانت تخوّل الدولة تملكها أو تأميمها، وصولاً إلى تحديد سقف الضرائب على الثروة بخمسين بالمئة، ما أفقد خزينة الدولة، في عز الأزمة المالية، 170 مليار يورو من الإعفاءات الجبائية التي عادت إلى جيوب الطبقات الأكثر ثراءً في فرنسا.
هذا التوجه جعل «الفاينانشيل تايمز» تختار لاغارد أحسن وزيرة اقتصاد في منطقة اليورو لعام 2009، بينما صنفتها «فوربس» في المنزلة الـ17 بين النساء الأكثر نفوذاً عبر العالم. وقبل أن تبدأ مسارها السياسي، عام 2005، حيث تقلّبت بين حقائب التجارة الخارجية والزراعة والمالية والاقتصاد، قدِمت كريستين لاغارد من عالم الأعمال. وقد كانت أول امرأة ترأس مكتب محاماة عالمياً متخصصاً في مجال المال والأعمال، هو Baker & McKenzie، مقره الرئيسي في شيكاغو (3500 مندوب في 35 دولة). تولّت لاغارد رئاسة مجلس إدارة هذا المكتب (1999 ـــــ 2004)، بعدما تدرجت في مختلف مناصب المسؤولية فيه، على مدى ربع قرن، حيث بدأت محامية بسيطة في فرع باريس، عام 1981. وفي عام 2005، التحقت بمجلس إدارة مجموعة ING البنكية الهولندية، التي تعد ثاني أكبر مجموعة بنكية عالمية متخصصة في مجال التأمين والبورصة والأعمال.
ورغم أنها لم تبق في هذا المنصب سوى أقل من سنة، رأى المعارضون لتوليها إدارة صندوق النقد الدولي أن كونها تتحدر من عالم بنوك الأعمال التي سببت تفجير الأزمة المالية العالمية، يتعارض مع توليها إدارة صندوق النقد الدولي، الذي يتولى إدارة تبعات تلك الأزمة، بينما رأى منتقدون آخرون في فرنسا أن ترشيح لاغارد لهذا المنصب، بعد فضيحة شتراوس ـــــ كان، ليس اختيار موفقاً، حيث إن فضيحة مالية تلاحقها منذ أشهر، بتهمة المحاباة في قضية دفع تعويضات مالية مبالغ فيها لرجل الأعمال برنار تابي، المقرب من الرئيس ساكوزي. ومن المرتقب أن تنظر «محكمة الجمهورية» الفرنسية، المتخصصة في مقاضاة رجال السياسة في القضايا المتعلقة بالإساءة إلى الصالح العام، يوم 8 تموز المقبل، في هذه التهم الموجهة إلى لاغارد. لذا اعترضت شخصيات فرنسية عدة، من اليمين واليسار على السواء، على ترشيحها لإدارة صندوق النقد الدولي، لأنها ستضطر إلى الاستقالة إذا أدانتها المحكمة. الشيء الذي من شأنه أن يسبّب انتكاسة كبيرة للحضور الفرنسي على الساحة الدولية، بعد الهزة التي مثّلها السقوط المدوّي لدومينيك شتراوس ـــــ كان.