يتقن برهم صالح اغتنام الفرص. منذ دبّ الضعف في جسد آل برزاني، أيقن الرجل أن فرصته قادمة. لم تكد تمرّ أشهر معدودات على فشل استفتاء الانفصال، الذي يرى صالح أن «منظومة الفساد والمحسوبية المهيمنة على الحكم» تتحمّل مسؤولية الإصرار عليه في «مرحلة تاريخية خطرة»، حتى بدأ الحديث عن الرئيس السابق لحكومة «إقليم كردستان» بوصفه وريثاً محتملاً للثنائية الكردية. صحيح أن صالح عاد، قبيل إعلان ترشّحه لرئاسة الجمهورية، إلى كنف حزبه الأم: «الاتحاد الوطني الكردستاني»، إلا أن السياسي المخضرم يمثل بحدّ ذاته رقماً، وحالة كردية تتجاوز عباءة الحزبين الرئيسَين الحاكمَين.

لعلّ ذلك أكثر ما يثير قلق «الحزب الديمقراطي الكردستاني» بزعامة مسعود بارزاني الذي لا ترى أوساطه حرجاً في الاعتراف بأن لا مشكلة للحزب في نيل منافسه منصب الرئاسة، بل مشكلته مع شخص صالح. حساسية تتضح بالنظر إلى نوعية الرئيس العراقي الجديد، التي تفرق بأشواط عن شخصية الرئيس السابق فؤاد معصوم، الخارج من كنف «الاتحاد الوطني» أيضاً. يأخذ كثيرون، من داخل «البيت الكردي» نفسه، على معصوم تردّده وضعفه وعدم مبادرته في استخدام منصبه لمصلحة الأكراد، بدعوى أن المنصب مجرّد أصلاً من الصلاحيات. لكن، على رغم تلك المآخذ، فإن «الديمقراطي» كان مرتاحاً إلى عدم وجود «رأس» يمكنه منافسة مسعود برزاني. أما اليوم، فإن من يتبوّأ المنصب الأول في الدولة الاتحادية يحوز عناصر قوة متعددة يمكن إجمالها في ما يأتي: اعتدال موقفه إزاء مسألة الانفصال، الذي يجعله مقبولاً لدى القوى السياسية في بغداد، علاقاته «المميزة» بالطرفين الإيراني والأميركي على السواء، التي تتيح له هامشاً واسعاً من الحركة السياسية، وإرثه «الطيب» لدى الأكراد أنفسهم الذين يستذكرون برضى فترة تولّيه الثانية لرئاسة حكومة «الإقليم» (2009 - 2011).
كل تلك المعطيات وغيرها تمنح الممثل السابق لـ«الاتحاد الوطني» في الولايات المتحدة القدرة على بناء حيثية وازنة له، والتأسيس لزعامة لا يتردد البعض في القول إنها ستشكل «مام جلال 2»، في إشارة إلى الراحل جلال طالباني، الذي شكّل حالة كردية استثنائية. هذه القدرة سينعكس تفعيلها إيجاباً على حالة «الاتحاد الوطني»، من دون أن يعني ذلك أن الأخير سينهض معافىً من كل ما يعتريه من ضعف في ظل الانقسامات المستمرة في صفوفه، والتراجع المتواصل في مكانته منذ وقوع عدد كبير من الانشقاقات في صفوفه خلال فترة رئاسة صالح لحكومة «الإقليم».
على مستوى العلاقة مع بغداد، يُتوقع أن يسهم وصول مؤسس «الجامعة الأميركية في السليمانية» إلى منصب الرئاسة في تضميد الجروح العميقة بين الطرفين، على اعتبار أن صالح من المؤمنين بضرورة «تدارك الأخطاء، وعدم المكابرة حول تبعات الاستفتاء»، وفق ما يقول هو نفسه في مقابلة معه عام 2017. في المقابلة نفسها، يشير صالح إلى أن «إيران بلد جار، وهذه حقيقة لا يمكن تغييرها... كذلك إن مصالح عميقة تشبك مصالح إيران والعراق». تصريح يجلّي موقفاً ودّياً إزاء طهران، التي بادر صالح مبكراً إلى استطلاع رأيها في «مشروعه»، حيث لمس «ارتياحاً»، بحسب ما يؤكد مقربون من الرجل. مذّاك، وُضعت عملياً اللبنة الأولى في سلّم ارتقاء السجين السياسي السابق منصب الرئاسة، حتى بلغ مرحلة تتقاطع فيها عنده الخطوط الأميركية والإيرانية على نحو مثير للدهشة. وفقاً لمعلومات «الأخبار»، فإن الأميركيين، الذين كانوا يحاولون - عقب فشل مشروعهم في فرض رئيس حكومة على هواهم - اللعب على الحبال جميعها بما يلائم مصالحهم، هم من طلبوا من «الاتحاد الوطني» تبنّي ترشيح صالح. لكنهم عندما لمسوا استعداد طهران وحلفائها لاستيعاب فريق بارزاني، بادروا في سحب البساط من تحت قدمَي الأول، وهو ما دفع الطرف المقابل إلى الاصطفاف إلى جانبه على قاعدة: «أينما أمطرت فخراجها عائد إليّ».