منذ نهاية 2017، تشهد الجزائر توالي أحداث وأخبار متفرّقة، فيما يبدو عام 2018 صعباً على الجزائريين بسبب قانون الماليّة العقابي، والوضع السياسي غير المستقرّ والعصيّ على الحلّ، الذي يكرّس عدم شرعيّة النظام الحالي. ومع كلّ ما ينتظرنا، يجب إمتاع القرّاء!


إثر حادث وقع في شهر كانون الأول (ديسمبر) الماضي، أطلّ كمال داود علينا بمقال متسرّع وتحريضي جديد. كان ذلك بعد مرور ساعات على حادثة تخريب تمثال نافورة عين الفوّارة في مدينة سطيف، على بعد 270 كيلومتراً شرق العاصمة الجزائرية، على يد رجلٍ ملتحٍ هستيري يرتدي جلابة ويحمل مطرقة وإزميلاً.
يُظهر مقطع الفيديو، الذي انتشر كالنار في الهشيم على مواقع التواصل الاجتماعي، الحشود الغاضبة التي تجمّعت حول النافورة وانهالت على الرجل الهستيري الغاضب بالصراخ ورمي الحجارة. بيد أنّ الأخير واصل حفلة جنونه الشنيعة إلى أن ألقت الشرطة القبض عليه بصعوبة. وفي حين عبّر الكثير من المواطنين عن استنكارهم الشديد لهذه الحادثة عبر مواقع التواصل الاجتماعي وتشاركوا مقطع الفيديو الذي يظهر عملية التخريب، رأى بعضهم الآخر أن هذا الاستنكار مبالغ فيه وأن الحادثة جرى تضخيمها مقارنةً بالمشاكل المستعصية التي تغرق فيها الجزائر حالياً (مثل الاضطرابات الاقتصادية والسياسية وأعمال شغب في منطقة القبائل وفي أماكن أخرى). كذلك، اعتبر آخرون أن هذه الحادثة ترمز إلى ما تمثله المرأة في المجتمع، أي شيء يجب تدميره. وأخيراً، حوّل بعض الناس المسألة برمّتها إلى موضوع سخرية. باختصار، تحوّلت هذه الحادثة إلى سجال انقسم حوله الجزائريون.
ولكن بالعودة إلى مقال كمال داود المتسرّع، فالسؤال البديهي هو: لِمَ التهويل قبل صدور نتائج التحقيق؟ ولماذا يُقدِم مُفكِّر على حذف الكثير من التفاصيل، وهو الذي يُفترض به أن يسمو على البلبلة ويساعدنا على فهم الأحداث المعقّدة بشكل أفضل؟ لِمَ لا يحاول بكل بساطة معرفة ما حدث بالفعل في سطيف؟ لسخرية القدر، كشفت السلطات بعد ساعات قليلة، في بيان رسمي ، أن مرتكب العمل التخريبي هو جندي سابق يعاني من اضطراب عقلي.
في ما يلي مقتطف من المقال: «لا الجيش سيحمي البلاد من الطلبنة (نسبة إلى طالبان)، ولا الشرطة ستدافع عنّا، وهي التي تُستخدَم كأداة لقمع من بقي من الشعب الجزائري، أي أهل القبائل والديمقراطيين، والتي وقفت تستجدي بغاية الرقة من يدمّر تراثنا بمطرقته وكادت تجثو أمامه. ماذا نفعل لهذا البلد وكيف لنا أن ندافع عنه؟ هل نحمل السلاح مجدداً؟ هل نشكّل ميليشيات للدفاع عن هذه الأرض لأن النظام يعجز أو يمتنع عن القيام بهذه المهمة؟ لقد فهم الإسلاميون اللعبة جيّداً، وأدركوا الحاجة إلى السلاح وشبكات التواصل وأماكن التجمع ووسائل الإعلام ومراقبة كل شيء، من قوانين وكتب وأماكن وثقافات وتصريحات. وعلينا، نحن، القيام بالمثل...».


عقب اعتداءات كولونيا، جزم بأن اللاجئين هم الذين ارتكبوا الاعتداءات الجنسيّة


وهكذا، لا يكترث قلم كمال داود المتسرّع إلى التفاصيل والوقائع. وهذه ليست المرة الأولى التي يتحفنا فيها داود بتوهّمات من هذا القبيل. عقب اعتداءات كولونيا الشهيرة، نشر مقالاً في صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية كان أشبه بفضيحة، إذ استند فيه إلى معلومات خاطئة، وأصدر حكمه قبل صدور أي أدلة، لا بل قبل إجراء التحقيق أساساً، مصرّحاً جازماً أن اللاجئين هم الذين ارتكبوا الاغتصابات والاعتداءات الجنسيّة التي وقعت ليلة رأس السنة. قد يسأل سائل كيف عرف داود هوية المرتكبين بهذه السرعة. بكل بساطة، هو استنتج أنّ اللاجئين هم المذنبون بسبب علاقتهم المرضيّة مع المرأة فقط لكونهم مسلمين، وهكذا ألصق بهم صورة نمطية استشراقية راسخة في اللاوعي الغربي. لحسن الحظ، سارعت مجموعة من الأكاديميّين إلى التنديد بتصريحاته تلك من خلال عريضة جرى توقيعها عقب صدور مقاله.
يشكّل حدث مثل تخريب منحوتة سطيف فرصة لا بد من استغلالها بالنسبة إلى من اعتاد على شرح جميع مشاكلنا، ليس من منظور الوقائع التاريخيّة والسياسيّة والاجتماعيّة كافّة التي شهدتها الجزائر (فهذا الأمر يتطلّب مجهوداً «فكريّاً»)، بل انطلاقاً من الادّعاء بأن هذه الأحداث ترتبط ارتباطاً وثيقاً بـ«ثقافتنا» البعيدة كلّ البعد عن قيم التنوير وعن «الحداثة الغربية».
هذا التحليل الثقافوي هو أحد مظاهر النظرة الجوهرانية إلى الإنسان العربي والمسلم، التي تتجاهل أثر الهيمنة الإمبريالية الغربية على ما نعيشه من ظروف وتقلّل من أهميّة الوقائع الراهنة والتاريخ الطويل من قمع «الآخر» (أي نحن)، إلى حدّ اتهام كل من يذكر هذا القمع بأنه «يحاول الظهور بمظهر الضحية». يمكن بالطبع مناقشة هذه المسألة، شرط أن يتم ذلك على منابر رصينة. أمّا الحديث عن هذه الأمور على منابر غربيّة معروفة برهاب الإسلام وبالعنصرية، فذلك بحدّ ذاته يحمل بعداً رمزياً هائلاً، وهو يعرّض مسلمي أوروبا، المستضعفين أساساً، لمزيد من الخطر. فهل من الصدفة أن يحظى كمال داود بدعم رئيس الوزراء الفرنسي السابق مانويل فالس وآلان فينكلكروت وبرنار هنري ليفي تحديداً بين كلّ البشر في فرنسا؟
تكتسب الأفكار معانيها من المنابر الذي يُعبَّر عنها من خلالها، خصوصاً إن لم توضع هذه الأفكار في سياقها أو لم تُناقش بجديّة.
تفوح من مقال داود رائحة نتنة، لا تشبه عطر «كولونيا» بشيء ولا حتى أكثر العطور رداءة. داود يستند في مقاله هذا إلى معلومات خاطئة وتوهّمات، وهو قد كتبه بتسرّعه المعهود الذي يعكس نزعته التمردية الغاضبة. وقد تجاوز حدّ العنف، إذ وصف كلّ من لا يشاطره الرأي بأنّه إمّا من جماعة طالبان وإمّا جبان. دعوته إلى العنف بالكاد تكون «مبطّنة»، وهي تعود بنا إلى صفحة أليمة من تاريخ الجزائر بعد الاستقلال، صفحة «الأدب المتسرّع» الذي جسّده رشيد بوجدرة (صديق عزيز لكمال داود في كتابه العنيف «فيس الكراهية».
نذكر جميعاً كيف أيّد رشيد بوجدرة بشدّة وبرومانسية الضباط «الينايريين» (Janviéristes) بعد إلغائهم انتخابات عام 1992. لا شك أنّ الضباط رحّبوا بهذه الخطوة، غير أنّهم لم يطلبوا هذا القدر من الدعم من المفكرين، الذين ينبغي لهم أولاً وأخيراً أن يؤدوا دورهم في تحليل مجتمعهم وفهمه. فموجة الإسلام السياسي لم تغزُ المجتمع بين ليلة وضحاها، بل وُلدت من رحم العنف، ورضعت من حليب الحقرة وإذلال الشعب وازدراء ثقافته وهويته، وتعلّمت المشي على خطى إسلاميّي مصر والسعودية وأفغانستان، الذين تدعمهم الرأسمالية المتوحشة وأجهزة الاستخبارات المعروفة جيداً. وقد تمظهر هذا الإسلام السياسي بعنف رهيب، أمام عجز ذهول النخب في مجتمعنا، المنفصلة كلياً عن الحقيقة وعن الواقع الفعلي في الجزائر وعن أحوال السواد الأعظم من الجزائريين.
مع نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات، كان المثقفون الجزائريون لا يزالون يحلّلون سقوط جدار برلين، من دون أن يروا المخاطر التي تتهدّد بلادهم. بهدف تغيير النظام الشمولي الجزائري، تبنّت فئة من الشعب، الفئة الأقل تعليماً والأكثر فقراً، وبشكل طفوليّ (مع أنّ ذلك لا يبرّر خياراتها)، التيار المتطرّف الأكثر بديهية أمامها، في وجه يسار فقد جاذبية أفكاره وحيوية مبادئه، فما عاد يمثل بديلاً حقيقياً بالنسبة إلى الشعب وما عاد يتقن فنّ مخاطبته. ما من جريمة على الإطلاق تستحق المغفرة. لكن يجب ألا نتوقع من مفكرينا أن يأتونا بالديمقراطية على متن الدبابات. استخدام القوة يجب أن يكون من صلاحيات الجيش والشرطة حصراً. أمّا المفكر، فعليه أن يسمو على مجتمعه ويعاينه ويحاول فهمه ويسير به إلى الأمام، لا أن يحقّره أو يسيء إلى جزء منه.
اليوم، بعد مرور 25 عاماً، ما زال الاستنتاج هو نفسه. لا شيء يمنع إخفاقات الأمس من أن تتكرر. فالتهوّر والتسرّع والفكر التبسيطي والهذيان الهستيري والغضب وهشاشة الفكر... كلها عوامل كفيلة بإحداث فشل تام قد يغذّي حالة الهستيريا العامة في المجتمع ويغرق البلاد في دوامة جديدة من العنف.
ما الفرق الجوهري بين كمال داود والذين يدعي مواجهتهم؟ كنت أتمنى لو أنّ داود، الذي كان إسلامياً في مرحلة ما من حياته، يستعرض تجربته، ويكتب بمزيد من العمق والرقي، ويحلّل الظاهرة من الداخل. باختصار، كنت أتمنى لو أنّه يرتقي فوق البلبلة والتشويش. لسنا من هواة تحليل النفسيات بشكل سطحي، ولكن يمكن ملاحظة نوع من «التحويل النفسي» (إعادة توجيه المشاعر من شخص إلى آخر) لدى كمال داود، فهو ينسب ما في نفسه إلى الغير. بعبارة أخرى، هو تحوّل إلى العلمانية، لكنه لم يتخلَّ عن النمط الانفعالي والمتطرّف في ردّ الفعل الذي يتميّز به الإسلاميون. كلّ العوارض تظهر عنده. التوهّم إلى حدّ التضليل؟ هو يبرع في ذلك. إصدار الفتاوى «العلمانية»؟ مقالاته تشهد على ذلك على مدار السنة. الدعوة إلى العنف؟ ذلك ما نراه أمام أعيننا الآن! يشعر كثيرون منّا كأننا رهائن لهذا المخطط الذي يفرضه علينا أشباه المثقفين من جهة، والإسلاميون المتشدّدون من جهة أخرى. كم يشبه بعضهم الآخر! كلاهما عاجزان عن ملاحظة تعقيدات الأمور، ويحملان فكراً بسيطاً وأحادي الاتجاه، ويقدّمان حججاً واهية، وينمّان عن هشاشة فكرية. والأهم أنّ كلاهما يعتريهما غضبٌ عارم!
الخيار بين عبد الفتاح حمداش وكمال داود كالخيار بين السيئ والأسوأ.
إن هذه النظرة الثنائية إلى العالم تضعف وتقوّض كل الذين يقاومون، بصمت، المحدلة التي تسحقنا يومياً، والمتمثلة بالنظام السياسي الجزائري القائم، وكلّ الذين يحاولون مدّ الجسور بين مختلف التيارات الفكرية، وتهدئة النفوس، والتعايش رغم الاختلاف، والعمل، والإبداع، والابتكار، والبناء، والتأمل بمجتمع يجمع كلّ الجزائريين. لا شكّ في أنّ هذا الدرب شاق. لكنه، لصعوبته وتعقيده، يستحق عناء المحاولة والعمل من أجل دمج جميع الجزائريين. أمّا الخطابات الثقافوية الإقصائية، التي ترضي الغرب، فلن تفيد سوى في زيادة مهمّتنا ولن تنتج سوى الشلل والرفض والتوتر.
قال لي أحد الأصدقاء، بعدما رأينا ما آلت إليه مسيرة كمال داود المهنية: «لقد فقدنا كاتباً صحافياً كبيراً، وربحت فرنسا كاتباً تافهاً».

* صحافي جزائري