لم أعُد أسأل الطيورَ عن مقاصِدِها

حين َ تغنّي. لا
ولا المغزى الذي كوّنه الشخص
لأضوائِه.
ولا الببّغاوات عن مُلقِنّها
بل أُعلق القمرَ الأملس
مرآةً
على مدخل عالمي.
■ ■ ■
ورثتُ غريقاً ذاتَ غروبٍ،
والأمل يقيس نأيه العاري
بين قارئ يحلم بجارية يفكّ قيدها
وضابط هُزمَ في حربهِ وانكشف في المحاق.
وجارٍ بانفلاتة جَمَل وضبعنة نوايا
طابورٌ من أوادم مختومين بخريف طبيعيّ ٍ
وأبواب تتسّولُ سواد ذنوبها:
بابُ الشيخ- بمجانينه يعتقوّن خمرة الملائكة
بابُ المُعّظم- مرقده الأخضر والضحّية
الباب الشرقيُ- شعرُ أبي نؤاس وثمرةُ الإثم ِ
بابُ إدريس- الموتُ والكيمياءُ
باب منارة الذهب- أبرياءُ يصطلحون
وبابُ الحوائج ِ ينطوي على زُرقة الشوق
باب الطاق حمامةٌ تهدلُ لذكرها الغائب
وباب الطِلِسِم
■ ■ ■
هنا لوعة المشهد شهقت،
وقمر غاب عن القاتلين
هنا يكفي أن تُشير إلى هاوية،
لتقع في الغامضِ
يكفي أن تسأل الشجرة، لترتفع فأسُ.
بعد سؤال الأنثى وجواب الذكر.
حَرْث أينما اندلع اللهبُ
أينما وقع فأس،
كلّما استيقظ جريح.
■ ■ ■
سقطت محبرةمن يده
قالت المتصوفة: استرْ عورتك!
■ ■ ■
من أوّلٍ
ويد تمّتد للدسيسة،
كمن يدخل بهواً
يقيمُ فيه عدوٌّ
من أولٍ
والبغي المقدّسةُ
تعبر نهر الشفقة وحيدةً
كمن يلتهب من وصمة،
يتخّفى عن العيون
كلمّا خَفَتَ الهاتف أو بُحّتْ كلابهُ
كلما دخل رجل ببذلة حدادٍ غرفة انطوائيتهِ،
وتسلّقت الوشاية جدار الجمهورِ،
أو
جيئ بالمُحّبِ قتيلاً كإشاعة.
■ ■ ■
ولمّا ابتعد عن مسائي، كان المصباحُ أسيراً. وقتئذٍ سُمِحَ لشعراء
الكدية بالفتوى. نُصِحنا بالهدوء قرب الجدول، والإصغاء إلى
قصيدة الكناريّ. لكنْ عادت الطبولُ ترهِبُ والأفاعي تزحف بين الأسرّة.
ستكون محبّة حزينة وخيول بيضاء.
صديق لمواقفَ طويلة العنق.
صديق يستحضر أرواحَ شياطينه
للأجرةِ. وآخرُ يأنف من الطريدة.
■ ■ ■
لكلٍّ هويّةٌ
من الأعشاب ورذاذ المطر والسحرة.
يلقون نفاية النهار
إلى خلوة مليئة بالحُفر والشكوك. هذا
يغتني بالكلام الغامض عن الأسيرة في حروب الردّة،
وذاكَ
يستعرض مرضاه المتقاعدين
نوع من عيار ِ التبعيّة،
ونوع من طبقة بين بين.
أنصب لهم مائدتي في حديقة الليل،
وأرفع
كأس الخيانة.
■ ■ ■
كّلَ شتاءٍ
وهندُ تمضغُ كبدَ القتيل
يواسي الأصمعيّ مذبحة الرياحين
بالزندو،
بأصدقاء النور الشعشانيّ،
بعندليبٍ
أو خمرةٍ في الغيوم.
كلَّ شتاءٍ
خيول في الخاصرة تعدو، والبدوُ
يبنون خيامهم في صوتي.
نعم. دفوفُ هندٍ ونمارُقها
وسؤالُ المنتصر.

كلّ شتاء،
تصحبني قوافل الحريم من آسيا وعطارد
في حانة على يسار الفايكنغ، من جهة التهذيب،
على يسار المراهقة بالأزرق والأصفر،
على يسار القوانين
شتاء يشبه قلبي في الإنشاء،
وأحياناً،
أوّزاً عراقياً.
شتاء بلا فرو أو مصدّات.
■ ■ ■
لأنَّ الوحدة فأرة تقرض خوفها
لأنّ الوحدة رنينُ جَرَس في الظلام،
وزُمرة أشباح ٍ تلعب الورق
في خرائب الماضي
لأنّ الوحدة صداقة الفريسة
أضعُ يداً على منوالي
وأُفسَرُ بالجرائم والخلل
■ ■ ■
على أيّة طبقةٍ نقرت الأصابعُ خلوتها؟
طبقة الدافئ مزوّدة بسلاحف الأمسية
طبقة المّر كركُماً تنضح
تحت طبقة الوهم يختبئ النذيرُ،
مانحاً سلطتهُ لما تراهُ
ومعَ كل طبقة ٍفنجان قهوة لفلكيّ،
ينقل العاصفةَ
لأسرى الكتب والفِراش والقناديل.
■ ■ ■
خاتم ضائع
والعائلة عن شروق تبحث
تترك إرثها النائم
وهي تُخلي أقفاصها

أيّها السيّدُ الُممّل.
أيها السّيدُ المخضرمُ.
المُبجّل كعُثمانيٍّ
نسيَ كرباجهُ في المخدع.
مفخْفَخاً كالباجة، آمراً
القمرَ بالعمى
حافية مشت البلاد إلى طفولة نومها
خاوية
إلاّ من صدى نحاسيّ
ومدفع
صوبَ الخليج.
■ ■ ■
وقتٌ بعيون مفتوحة ٍعلى فحيحٍ
خلف الستارةِ
وقت يُقادُ بسلسلة الفتوّة إلى
الجناح المخلوع
هكذا، بخففّةٍ، يكرّك الضباب
برمشةٍ، عالمٌ فتيّ يتبدّد،
يشبه ما حولنا من طلقات،
ومعارك الأطياف.
■ ■ ■
مدينةُ الأسود والثيران الحجرّية
مدينة الخلود الغافل
للجنون مقام نوى وغزلُ آنسات
تفسرين المرآة شظيةً شظية.
مثالُك ِ اللؤلُؤيُّ
حدائق عاشقةٍ تصلّي على النبيّ.
لغةُ صيّادين وذبائح فكرت بدمها،
فيما وراء الدكاكين المعتمة
وأوكار الباطن.
هكذا أفكّر بحياتي وهي تتلفعُ إرهابها.
■ ■ ■
بغدادُ مشفى الأرمل
أفعى تسلخ، عند بئر نفطٍ، جلدها
ومعلّقات الشمس الغاربة والطنين.
أفهم أنها قضية تخصّ الموتَ،
وصداقات في تنفسّها
البطيء.
لأننّي ما وجدتك ِفي:
الملاك الحارس
الممثلّة تضع زينتها الحزينة
هيستيريا الخليلة،
ولا المسترجلة.
لم أجدك في الهواء النسائيّ.
أتذكرّ حلية، وخسارة،
ومراّت،
ضغطاً على صدر الحبّ،
ما يشبه الندم الأصفر.
شقيةً برُسُل ودعاة حمقى،
وبينهم خونة الجميلين.
مروحة، على الجرف،
للأرواحِ
وطولُ البال في خرائب المُحتلّ.

لم أدركْ ما بي من بروق
حتىّ تعلّقت بثيابك ِ
وها هي الأحاجي، بالرواة تحتمي،
والرموزُ تضيع.
عليَّ، إذاً، أن أصنعَ بلداً
من جلد تمساح،
وفراء ثعلب حزين
من بقايا السفن الغريقة في قاعي
والفرسان التائهين داخل حصوني
والعشاق في حضرة الأغاني.
هناك يُظهِرالكائنُ لآلئَ الموت،
نائياً
عن مدائح الخوان
وشراكة السُلطة.
وأسد بابل

حجر يأنس في أبديته لطائر عطشان.
أسد بابل اشتكى المارة، فسمعه السكوت.
مشتاق أيها المسكين إلى حماية من التسرب
أو
إطارٌ صلدٌ
يأنفُ من نهاره الطويل.
السابلةُ تلقي قهقهاتها
يتبعها حَملٌ أهبل.

أسدٌ منتصرٌ في المكوث،
بانصبابٍ دهريّ.
آنَ نباح براقشَ تجني على النائحين،
وآن طرْق الأبواب
طلباً لغزالة المودة.
أسدٌ لا نعرف وصوصتهُ من زئيره،
لكّنه
يمطر علينا صراحته المسمومة،
بين القبة ونكبة العاصمة.
أمل التائب نأمل الشفاء في عيادته
لأنّ الكوكبَ في مطلعهم، والساريةَ ليست بأيدينا.
■ ■ ■
حُبّي ملاك عانق شجرة نارنج
وعين مفتوحة على الذكرى.
قصيدةٌ تنقذ الشاعر من الباعث
غريزةُ ثائر ٍ تُعبئُ الفراغَ الأسود
والشاعرُ يطارد أرانب الفاظه.
فراغ يلتئم، خفيفاً، متنزهاً
وحيوانات جائعة تفتش في الأحراش.
دع الطبل والتفت إلى الظلال
حيث ترَكتها لأبد لم يُفهم عماهُ
ظلال قامة تعاند الدوائر
هوامش وحواشي.
■ ■ ■
جمالٌ في الصحارى
جمالُ ملحٍ للمدن.
جمالٌ في الجزيرة. جمالٌ في المكان
جملُ عائشةَ أو قيس،
وَجملٌ صغيرٌ يرعى ظهيرةَ
Möllevång السبت في ساحةِ
جمالُ شعراء
جمالُ قَتلةٍ نهبوا التاريخ
جمالُ فقراءَ
يقودونَ طاعتهم نحو الرضى،
يدخّنونَ الماضي أغنيةً أغنيةً
جمالُ عاشقاتٍ طرّزنَ قصائدَ الحّب
على مناديل المساء
وَجَملٌ تائه في المستقبل.
الجملُ التائهُ يقطعُ رحلته إلى نفسهِ،
وحيداً
تنتظرهُ صحارى سامّة من الصبر،
والبحث عن
الظّل؛
الظّل الأخير لقافلةٍ صديقة.

(*) قصائد من ديوان بالعنوان نفسه، صدر حديثاً عن «الهيئة السورية العامة للكتاب»، 2018.
** مالمو/ العراق