حوار العُمر

قالت أم العبد وهي تحرّك عجيزتها المتّرهلة التي آلمها كرسيّ القشّ: «قَرّبت يا أبو العبد، العرب تحرّكوا، والله إشي يفرح القلب، مليون متظاهر في اليمن، ومليون بني آدم في المغرب يصرخوا من قحف روسهن: بالروح بالدم نفديك يا أقصى. الناس نزلت عَ الشوارع في الشام والخرطوم والقاهرة وتونس، الملوك والرؤساء والأمراء واقفين معنا.. الصومال بدها تبعث طحين، وموريتانيا بدها تبعث عجوة، وأهل جباليا وبلاطة رايحين يتبهنكوا بالكعك. الله ينصركوا يا عرب.. يا رب!!». ردّ أبو العبد بهدوء: «قومي يا ظريفة فتشي في جناب البيت بلكي بتلاقي لقمة نوكلها. حرّكي حالك. لا تنغشّي ولا تغشّيني معاكي، جارنا أبو إلياس، الله يرحم التراب اللي حواليه، كان يقول لي وأنا صغير: يا بني يا فرج، العرب مثل قنينة الكازوز، لما بتفتحها بتفور بسرعة.. وبتهدا بسرعة على طول.. إلى ما شاء الله.. قومي.. قومي.. يا ظريفة!!».

زيّ العسل
دخل رجل وامرأة في السّتينات من عمريهما سريراً وثيراً في غرفة معطّرة في فندق خمسة نجوم.
سألت المرأة الرّجل: هل تذكر؟
فأجابها: يمكن..!
قالت: كنت دائماً تقول: «مرّة أخرى فقط».
قال الرّجل: وكنت دائماً تسألين «ولماذا فقط؟».
قالت المرأة: كنت تموت على ذلك.
وابتسمت ابتسامة فغمر الفرح وجهها.
قال الرّجل وهو يتثاءب: دعينا يا امرأة ننمْ على ذكرى زيّ العسل!

حسين ماضي ـــ «بدون عنوان» (أكريليك على قماش، 2010)


رؤية
أقفل باب الغرفة بسرعة فوجد في السّرير امرأة تبدو في الثّلاثينات من عمرها، مليانة، وعمياء حسب الطلب. خلع ملابسه واقترب منها وهو يقول: علّقت على باب الدّكّان يافطة: سأعود حالاً.
داعبت المرأة وجه الرّجل براحتها البضّة وقالت: لا دكّان ولا بضائع. لحيتك اليوم ناعمة يا سيّدي الشّيخ.
سألها وهو يلهث: أخشنة تحبّينها؟
ردّت وهي تتغنّج: كان ذلك بعد صلاة العشاء يا سيّدي.
ارتدى ملابسه على عجل وهو يقول: بنت الكلبة. ترى من حيث أرى.

الشبّان لا يفكّرون بالموت
حدّق مليّاً باليافطة الذهبيّة الّلون ذات الخطّ الجميل المعلّقة على باقة الزّهور التي قدّمها إليه الفتى مرسال «زهور عدن» وقرأ مرّة بعد مرّة «الشّبّان لا يفكّرون بالموت. عيد ميلاد سعيد. مع حبي. ن».
حاول أن يتذكّر نساء عرفهن قبل أن يطفئ الشّمعة السّبعين في ذلك النّهار فتنقّل على مهل وبجهد من واحدة إلى واحدة. نجاة. نوال. نهى. ندى. نعمه. نسمة... نسمة يا قمر. الشبّان لا يفكّرون بالموت.
ورقص الفرح في عينيه.

الميراث
- أين ياسر؟ سأل الشرطيّ ذو الوجه الجهم.
- في الجامعة. أجاب الرّجل العجوز بلا مبالاة.
- أهو ابنك؟
- أتراني صغيراً؟ ما أغلى من الولد إلا ولد الولد.
- يجب أن يحضر إلى مركز الشّرطة يوم الخميس القادم. وَقّعْ هنا يا شيخ إقراراً بأنّك تسلّمت الدعوة.
- دعوة إلى وليمة؟ سأل العجوز ساخراً.
- تحقيق. قال الشّرطيّ بحدّة.
- على ماذا؟
- هناك سوف يعرف. أجاب الشرطيّ وعلى وجهه الجهم ابتسامة خبيثة.
تأمّل الرّجل العجوز الدعوة بعدما انصرف ذو الوجه الجهم، فشعر أنّ دماء الشّباب الحارّة عادت تتدفّق في عروقه، وأنّ هامته تعلو، وأنّ جسده ينمو.
وشاهد المناضل العجوز على مرآة الفضاء صورته واضحة جليّة في وجه حفيده.

صحتين
تفاوض المحاميان الكبيران على مصير البيت منذ الصّباح حتّى الأصيل.
كانا ثعلبين أحياناً. وكانا ديكين أحياناً. وكانا حملين وهميّين أحياناً.
قال خواجة موشيه: لا شكّ بأنّك تعب وجائع يا عزيزي أحمد. تعال نتناول العشاء معاً.
- على مائدتك؟ سأل المحامي أحمد والجوع يعوي في معدته.
ابتسم خواجة موشيه ابتسامة غامضة وقال: أنت ضيفي.
ونهض واصطحب أحمد وسار خطوات ثم جلسا على مائدة يتناولان وجبة سمك فاخرة من سمك البحر الميّت الشّهير.

الأعمار بيد الله
جاء عامل شابّ يحمل منشاراً كهربائياً إلى ساحة بيتي وقصّ عمود التلفون، جاري القديم، وقطّعه قطعاً عقاباً له لأنّ العمود القاسي نسي أنه كان قبل سنوات شجرة خضراء وجاء الربيع عاماً بعد عام ولم يبرعم ولم يورق.
حينما أتى فصل الشتاء القارس، نظر الإنترنت إلى قطع الخشب قرب موقدي، المشتعلة ناره، وقال شامتاً: هذا جزاء من تنكّر لأصله وماضيه.
رفعت قطعة خشب رأسها وقالت: حبّذا لو أنّك تفكر بما جرى لأبيك الفاكس الذي تحوّل إلى خردة قبل أن يعمّر.

العطر الناعم
كان الرّجل ستينيّاً ويرتدي تريننغ رماديّاً وينتعل حذاء رياضيّاً أبيض ويمشي منتشياً على رصيف المتنزّه الحديث ما بين المدينة وبين شاطئ البحر في صباح ربيعيّ ناعم، بعد دقائق قليلة من شروق الشمس وانتشار أشعّتها النّاعمة تداعب حبيبات النّدى الفضّية على أزهار الجوريّ الحمراء والبيضاء والصّفراء النّاعمة فشاهدها تمشي باتجاهه من الجهة الأخرى للمسار وترتدي تريننغ زهرياً جذّاباً ناعماً، وكلّما اقترب منها أو اقتربت منه، بدا جسدها شابّاً، فالمرأة في فوران الثّلاثينات وشعرها قصير ناعم وعيناها واسعتان وزغلولا صدرها يطلّان بنعومة. وحينما عبرت بجواره أو حينما عبر بجوارها، شمّ رائحة عطرها. وقف لحظة واستنشق بعمق. عطرها. هو عطرها النّاعم. تو. وَن. تو سكسي. عطرها. وانحدرت دمعة ناعمة على وجنته وترقرقت على خطّ حفره الزّمان بنعومة!

(*) مجتزأة من الأعمال القصصية الكاملة، الصادرة مؤخراً في ثلاثة أجزاء عن «دار راية»/ حيفا.
(**) فلسطين