تذكرتُ، وأنا بين القبور، جاريَ العجوز، ياكوب يوندال. كانت بلدية أوسلو قد منحتني، آنذاك، شقةً صغيرة في الطابق التاسع من عمارة فينوس. وكانت عمارة مخصّصة للمتقاعدين وكبار السن، تقع وسط ضاحية هيليرود شرقيّ العاصمة. إلى الآن لم أفهم لماذا اختيرت لي من بين مئات العمائر التي تطرّز وجه المدينة! كنت الشاب الوحيد بينهم، وكانت شقة العجوز ياكوب، الذي تجاوز الثمانين بعامين، قبال شقّتي تماماً. طرقت بابه يومَ وصلت، لألقي عليه التحية، أملاً بالتواصل:

• صباح الخير سيّد ياكوب، أنا سعيد، جارك الجديد.
• صباح الخير، أهلاً سـ..
• سائيد، اسمي سائيد.
• أهلاً بك سائيد.
منتهى المهانة أن تضطرّ إلى تكسير اسمك من أجل أن يفهمه الآخرون.. سائيد! يا للخيبة!
أخبرني السيّد ياكوب، فيما بعد، بأنه ينوي رمي بعض الأثاث الزائد عن الحاجة، وطلب مني أن أساعده في ذلك، فوافقت. التخلص من الأثاث القديم، والأجهزة العاطلة، والأفرشة الخارجة عن الخدمة، لا يتم بالمجّان في النرويج. عليك أن توصل ما تنوي رميه إلى محطات تدوير النفايات، ثم تدفع مبلغاً مقابل ذلك، وإلا فستترتب عليك غرامة مالية إن رميتها في الطريق.
استأجرت شاحنة وحمّلت فيها ما قرّر جاري الاستغناء عنه، ثم رميته في محطة جمع النفايات. أهداني حينها مصباحاً أنيقاً، وطبقاً من ثمار الكرز، كعربون جيرة وامتنانٍ، وصار يطرق بابي كلما دفعته الحاجة للشعور بأنّه على قيد الحياة. لم أرَ، على مدى سنتين كاملتين، أحداً يزوره، رغم أنّ لديه ثلاثة أبناء وأختَين. أخبرني بأنه يحتفل في عيد ميلاده وحيداً، وأن أبناءه يكتفون بتهنئته على الهاتف. أخذت أقيم له من بعد ذلك حفلة ميلاد صغيرة، أدعو إليها عجائز الطابق التاسع. أما في أيام العطل وحين تكون الدنيا ربيعاً، فكنت أصنع لأجله تِرْمِزَ شاي وقالب كيك هشّاً، وأصطحبه في نزهة إلى الحديقة العامة. صحوت ذات يوم على صوت سيّارة إسعاف عند باب العمارة. هرعت إلى النافذة. رأيت المسعفين يحشون مؤخّرة الإسعاف بسدية بيضاء، ينام فوقها السيّد ياكوب يوندال مطمئناً، كمن ضمن النجاح في امتحان الباكالوريا. لقد عثرتْ عليه عاملة التنظيف ميتاً فوق كرسيّه الهزّاز في الصالة. أتذكر بأنّي فرشت في مساء ذلك اليوم على مصباحه قماشة سوداء، حداداً عليه. وفيما بعد ذهبت إلى المقبرة، ووضعت إكليل وردٍ على قبره الأنيق في حقل الكرز.
كان ياكوب قد اشترى حقلاً للكرز في طرف المدينة، وأوصى أن يدفن فيه بعد مماته. سألته حينها:
• سيّد ياكوب، لماذا تريد الدفن في هذا الحقل؟
فقال وهو يمضغ ثمرة كرز برويّة وتلذّذ: — تقول أسطورة قديمة بأنّ الإنسان يتحوّل بعد الموت إلى موجودٍ آخر يتلاءم مع ما حوله، فإن دُفن في الجبال تحوّل إلى صخرة، وإن دُفن في البحر صار سمكة، وإن دُفن في الصحراء غدا رملة، لذا قرّرت أن أدفن في حقل الكرز كي أتحول إلى شجرة كرز.. المجد لمن نام في حقل الكرز.
لا أدري إن كان جسد جاري الطيّب هذا، قد تحلّل وأمسى شجرة كرز أم لا، لكنّي على يقين بأنّ روحه تنام بسلام وطمأنينة في ذلك الحقل. آه، لولا الطغاة لكان أبي الآن نائماً في قبر كقبر السيّد ياكوب، ولربما تحوّل إلى نخلةٍ شاهقة أو شجرة سدر وارفة الأغصان، قلتُ في سرّي مواصلاً المشي بين القبور. كنت أسير ببطء، يقود خطواتي ضوء مصباح واهن. قطعت مسافةً طويلةً حتى وصلت الشارع العام. رفعت يدي لعلّ أحدهم يقف وينتشلني من ورطتي في ليلة المقابر المعتمة. شرعت المساجد بقراءة القرآن، وبدأ الفجر يقترب. توقفتْ، أخيراً، سيّارة أجرة حديثة، وعرض عليّ صاحبها المساعدة. أخبرته بأنّي غريب، لا أملك المال، وأريد الذهاب إلى بغداد، وأنّي سوف أعطيه، حين أصل، ما يطلب، فوافق السائق الرحيم وأقلّني.
أنا الآن في بغدادَ يا أبي، أنام في أحد فنادقها كما يفعل الغرباء. أنظر إلى صورتك المتكئة على الكومودينو، غير المعلّمة بشريط أسود، وأوقد لك شمعة. لا حاجة بك إلى أشرطة الموتى، إذ لا يشك من يرى صورةً لعظامٍ تصطفّ أسفلَ جمجمة بأن صاحبها ما زال يشم الهواء. هواءُ بغداد التي تعرف لم يعد نقياً يا أبي، لقد عفّنته حرب الهويّات. أوغاد طائفيون يتراقصون فوق صدرها، ويضعون الملح على جرح خاصرتها. هل أخبرتك بأنّ صورة من دسّك تحت التراب، وأنت حيّ، قد مُزّقتْ؟ وأنّ تمثاله الشاهق تداعى وصار عربة لركوب الصغار؟ لكنّ الصورة باضت ألف صورة، والتمثال فرّخ ألف تمثال. لقد باتت لدينا يا أبي صورٌ وتماثيل بعدد الخراف في قارة استراليا. والغريب في الأمر أنّ ما من واحدٍ من هذه الخراف إلا وعُلّقتْ على صدره شارة القداسة، هل تصدّق؟ وكأنّ البلاد قد تحوّلت إلى مفقسة للخراف المقدّسة.. وكأنّ أحدهم خطّ على بابها: هنا مفقسة المقدّسات! أما قصور الطاغية، عليه ما على الطبل يومَ العيد، وبيوته ومقارّ حزبه وأوكار تابعيه، فقد تحوّلت إلى قصور طغاةٍ صغار وأوكار تابعين خدّج ومقارّ حزبية مباركة. لقد أصبح لدينا مقرّات حزبيّة بعدد مطاعم السوشي في جمهورية الصين الشعبية. ولعلّ هذا لفرادتنا وتميّزنا، ففي كلّ البلدان التي سقط طغاتها تحوّلت قصورهم ومقرّاتهم إلى متاحف لأخذ العبرة، أو دورٍ لرعاية الأيتام، أو مخازن للحنطة على أقل تقدير، إلا نحن، فقد حوّلنا المقرّات إلى مقرّات، والله وليّ التوفيق! ألم أقل لك بأنّنا شعب فريد ومغاير؟!
آه يا أبي! إنّ الظلام الذي كنتَ، بصحبة رفاقك، تحاولون إيقاد شمعة لتبديده، ما زال يغلّف البلاد ويحيط بأوكارها. ما زال ذاك الظلام حاكماً، وما زال الأوغاد يضحكون على ذقوننا ويمصّون، مثل البعوض، دماءنا، تحت يافطات جديدة لا تقل سخفاً عما قبلها. لا أريد أن أثقل عليك، فما فيك يكفيك، لكنّي أودّ أن أصارحك بأنّك قد فشلتَ مرّتين، مرةً في حياتك، ومرّة في مماتك، فلا حياتك حياة ولا مماتك ممات! وأنّي، عذراً يا أبي، لا أريد أن أكون فاشلاً مثلك، لذا قرّرت الرحيل.
كنت أخشى أن أغدو كوم عظام في كيس أسود، أن أتناثر على الطريق، وتدهس رأسي شاحنةٌ مسرعة. كنت خائفاً من تكرار المأساة، وأن لا تمنحني بغداد قبراً أنام فيه بسلام، كما فعلتْ مع أبي، لذا قرّرتُ الرحيل من جديد. لكنّي سأرحل هذه المرة بحثاً عن موتٍ لائق، لا عن حياةٍ لائقة. سأبحث هناك، في بلاد المرضيّ عنهم، عن موتةٍ رحيمة، لا تكون على يد صبيانٍ مدجّجين بالجهل المقدّس والعقائد الفتّاكة. سأفتش عن قبرٍ كقبر جاري، السيّد ياكوب يوندال، لكي أنام فيه بسلام وطمأنينة. سأعود إلى النرويج من أجل النوم في حقل الكرز.

(*) الفصل الأول من رواية صدرت عام 2019 عن دار الرافدين، بيروت. القائمة الطويلة لـ «بوكر» 2020.