تعود أصول موسى المعماري إلى «حارة السرايا» المتاخمة لأسوار قلعة الحصن في محافظة حمص السورية. اشتهرت عائلته بتوارثها مهنة العمارة حتى اتخذت من المهنة اسماً لها. كان والده، عبد الكريم المعماري، كثير الترحال، خصوصاً بين المناطق اللبنانية. هكذا، وضعت الوالدة يمنى أيوب المعماري مولودها عام 1931 في قرية الفاكهة قرب بعلبك. أخذت الأم ابنها إلى حارة السرايا لتسجّله في قيود العائلة. استقرا في «الحارة»، وهناك تلقى تعاليمه الأولى في إحدى المدارس القريبة. بعد سنوات، كان على الأم وابنها أن يلتحقا بمكان عمل الوالد في طرطوس. في المدينة الساحلية، وتحديداً في مدرسة «المتنبي» التي سيسجّل بها، ستبدأ رحلة العمر.


أحبّ موسى إحدى زميلاته في المدرسة. كانت الفتاة التي تُدعى سيدة تنتمي إلى عائلة مرموقة، وكان والدها الذي يملك قصراً، حاكماً لإحدى نواحي المدينة. لم يفكّر العاشق المراهق في الفوارق الاجتماعية بينه وبين الفتاة، عندما أخبرها بحبه. سخرت منه، وقالت الجملة التي حرّضته على تحقيق حلمه: «عندما تملك قصراً، يمكنك أن تتحدث إليّ». في إحدى حصص الرسم، طلب المعلم من تلامذته أن يرسموا عصفوراً على شجرة. لكنّ موسى لم يفعل ما طُلب منه، بل رسم القصر الذي وعد حبيبته به. «استهجن الأستاذ أنور ما فعلته، وسألني إن كان هذا القصر المتخيّل لأجدادي. أجبته بأنني رأيت هذا القصر في الحلم. وأكّدت له أنه سيراه مبنياً في الواقع، هو الفتاة الحلوة (سيدة). ظن الأستاذ أنني أهزأ به، فانهال عليّ يضربني بقضيب رمان، ثم مزق الرسم ورماه على الأرض. حملت المزق وغادرت متوعداً بتحقيق الحلم».
بعد أيام، اتخذ موسى قراراً مهمّاً غيّر مجريات حياته. تركَ المدرسة والبيت والمدينة من دون علم أحد. حمل معه خريطة قصره الممزقة، وخصلة من شعر الحبيبة، وسار مشياً على الأقدام من طرطوس إلى صيدا. «كان ذلك في التاسع من أيار (مايو) 1945، بعد يوم على إعلان هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الثانية. لم يكن يشغل خيالي في تلك الرحلة سوى سيدة والقصر».
وصل صيدا، بعد رحلة متعبة عرف فيها أشد أنواع الألم والفقر والجوع. هناك، استقبله عمّه عيسى المعماري الذي كان يعمل في ترميم قلعة المدينة البحرية. ضمّه العمّ إلى فريق الترميم، واستمرّت به الحال سنوات عدة. خلال هذه المدة، صار الفتى محترفاً في ترميم المباني الأثرية، ما أهّله للتنقل بين المتاحف والقصور. عمله هذا، إلى جانب الوظيفة التي حصل عليها في شركة الكهرباء، ساعداه في جمع 15 ألف ليرة لبنانية. بهذا المبلغ، استطاع أن يتزوج ماريا عيد ابنة قائمقام دير القمر (منطقة الشوف ـــ جبل لبنان)، واشترى قطعة أرض تبلغ ثمانية دونمات، في حين بقيت لديه خمسة آلاف: «كان المبلغ هذا رأس مالي لأحقق حلم العمر».
في العام 1962، بدأ موسى تنفيذ مشروعه. حمل المعماري حجارة القصر على ظهره، و«قد تجاوز وزن بعضها 150 كيلوغراماً». يكمل: «نقلتُ 6540 حجراً ضخماً إلى موقع القصر، ما تسبب لي بترقق في العظام أعاني منه اليوم. كما تسبب عملي في تقصيب الحجارة بإطالة يدي اليمنى سنتيمترين». بعد أربع سنوات من العمل الدؤوب، بمشاركة زوجته، صار بإمكانه استقبال بعض الزوار الذين بدأ يلفتهم قيام هذه الحجارة المنحوتة والأبراج. «كان الرئيس كميل شمعون الذي أتى مع زوجته السيدة زلفا من أول الزوار. ساعدني الرئيس في الحصول على قرض طويل الأمد (60 ألف ليرة) من بنك التسليف الزراعي بفائدة ضئيلة، بعدما أهداني الجنسية اللبنانية. كان في حينها وزيراً للداخلية».
من الزوّار المعروفين أيضاً، كان الشهيد كمال جنبلاط الذي ساعده في الحصول على مبلغ عشرة آلاف ليرة لبنانية. هذه المساعدات، إلى جانب «رسوم دخول القصر»، وبيع أشغال يدوية كان يصنعها هو وزوجته، مكّنت موسى المعماري من وضع حلمه قيد التنفيذ، ليستقبل الزوار والسائحين رسمياً في العام 1967. بعد هذا التاريخ، بدأ المعماري بصنع المجسمات والأدوات المتحركة التي تنتشر في غرف القصر وطبقاته الثلاث اليوم. نحتَ وجسّد 75 شخصية، هم أفراد عائلته وأقرباؤه وجميع الفلاحين الذين آزروه في بناء القصر. أناط بكل شخصية حرفة، ليصبح القصر أشبه بمجتمع مكتمل الأركان. بالطبع، لم ينسَ موسى الحدث الهام الذي دفعه إلى تحقيق حلمه: «ذهبت إلى سوريا. أحضرت مقاعد الصف والسبورة، وجسّدت مشهد الأستاذ أنور وهو يضربني أمام الطلاب».
لم ينسَ صاحب كتاب «حلم حياتي» حبيبته الأولى. كان يبحث عن سيدة منذ أول حجر وضعه في أساسات القصر. «بعد سنوات طويلة من البحث عنها، وجدتها في بروكلين في أميركا. اتفقت مع ابنة عمّي هناك، لتدعوها إلى زيارة لبنان، والقصر من دون أن تخبرها أنّ هذا القصر هو الذي وعدته بها. وفعلاً، جاءت سيدة إلى لبنان عام 2009، وكان القصر على خريطة زياراتها». يروي الرجل قصته وقلبه ينبض. لكن هذا لا يعني أنه نسي سخريتها منه، وتعييرها إياه بفقره: «كنت أحرص على أن تدخل من الباب المنخفض. أردت أن تركع أمامي، مثلما ركعتُ يوم ضربني المعلم لأنني حاولت تقبيلها». عندما وصلت سيدة، ورأت الرجل العجوز قرب القصر، سألت: «أنت موسى المعماري؟» قبل أن تدمع عيناها بعد 67 عاماً من الفراق.
في خمسينية قصره «الذهبية»، يفتتح موسى المعماري المرحلة الأخيرة منه، والثانية من متحفه الحربي والتراثي بعدما كان قد دشنه عام 1997. ويختار التاسع من أيار (مايو) تاريخاً لبدء رحلته لتحقيق حلم القصر. اليوم، بات المتحف يضم في ثناياه وخزائنه أكثر من 32 ألف قطعة سلاح من مختلف العصور ومعادن وحجارة ثمينة وأساور وألبسة وغيرها، لقد أنفق كل ما ادخره من أموال في سبيل إيجاد هذا المتحف «المرخص».
لطالما ردّد المعماري أمام زوّاره، أن قصّته تصلح لأن تكون فيلماً سينمائياً أو رواية. لكن ما يحزّ في نفسه اليوم، هو «أن الدولة لم تعرني الاهتمام اللازم. لا يوجد في خزائن وزاراتها، خصوصاً وزارة السياحة، كتاب يصنف قصري هذا على الخريطة السياحية».
يقول قبل أن يضيف: «أنا راحل غداً والقصر باق. قد يستفيد منه أولادي، لكنه لن يكون لهم، سيبقى معلماً لبنانياً، شاء من شاء وأبى من أبى».




5 تواريخ

1931
الولادة في حارة السرايا القريبة من أسوار قلعة الحصن السورية

1945
غادر سوريا وجاء إلى لبنان سيراً على الأقدام، ليشتغل في ترميم قلعة صيدا البحرية.

1962
باشر ببناء قصره المعروف بقصر موسى المعماري بعد زواجه من ماريا عيد.

1986
نشر كتابه «حلم حياتي» ثم طبع منه أكثر من 150 ألف نسخة.

2012
دشن متحفه الحربي والتراثي الذي بات يضم 32 ألف قطعة.