لو بقي عاصي الرحباني في صحّته حتى انطفائه في حزيران 1985، ماذا كان سيكتب ويلحّن من وحي الحرب الأهليّة؟ ولو بقي حيّاً إلى الألفيّة الثالثة كيف كان سينفعل أمام حَرْبَي ميشال عون و«الوصاية السوريّة» ثم اغتيال الحريري وصولاً، لو قيّض له الله العمر الطويل، إلى التمرّدات العربيّة الراهنة؟

لقد بدا الخط البياني لمواقف الأخوين رحباني يتّجه من التصالح الطوباوي («جسر القمر») نحو مرارة الخيبة في مطلع السبعينات من القرن العشرين: «الشخص»، «يعيش يعيش»، «ناطورة المفاتيح»...
فهل نستطيع الاستنتاج من هذا التطوّر أنه كان سيفضي إلى واقعيّة أبعد عرياً؟ إلى مسرح غنائي أقل «غنائيّة» بالمعنى الرومانسي أو الانطباعي وأشدّ مواجهةً «والتزاماً»؟ ربّما. إذا أخذنا منصور لوجدنا تطوّره واضحاً في مسرحيّاته الانفراديّة، من سقراط إلى المتنبّي: إعادة إنتاج قصص من التاريخ. موسيقيّاً: انطلاق الإيقاع الذي عُرف لدى منصور، وهو الإيقاع المتنقّل غالباً بين شجن «شرقي» وسرعة أنفاس «غربيّة»، متقاطعاً مع موهبةٍ مرموقة في انتقاء اللفظة، وقوّة إيحاء، وحسّ وجداني إنساني موشّح بالفكاهة.
لا يحقّ لنا التمييز بين عاصي ومنصور الرحباني في مرحلة «الأخوين رحباني»، لكنّها ذكرى غياب الأوّل، لذلك أردنا، من باب لياقة المناسبة ومن قبيل الاجتهاد، أن نميّز ونحصر السؤال الافتراضي بعاصي والآفاق التي كان «يمكن» أن يرودها.
وبما أن الأجوبة مستحيلة فلنتخيّل:
ثمّة رأي يقول إنه لو أتيح لعاصي المجال لأكمل التلحين على نَسَق أغنية «طريق النحل» (في مسرحيّة «ناطورة المفاتيح»، 1972). الشرقي المطوّر. ليست أوّل ما لحَّن ضمن هذا الخطّ. هناك أيضاً، مثلاً، «يا حلو»، «يا طير»، «حبّيتك بالصيف»، «سنرجع يوماً». شرقي أكثر صهراً للمؤالفة بين جذور الفولكلور ولقاحات الغربي والشخصيّة المحض رحبانيّة. (نجد مثل هذا الشرقي، لدى زياد الرحباني: «كيفك إنت»، وفالس «إيه فيه أمل»). والواقع أن الشرقي الرحباني كان دوماً ومنذ فجر البدايات مميّزاً عن الشرقي المتداول، ومَن يذكر «إلى راعية» و«مغرور قلبي» و«جلنار» و«وقّف يا أسمر» و«راجعة» و«عتاب» لا شكّ يعرف ذلك. أطلّ الرحبانيّان فوراً بزادٍ معاكس للأغنية السائدة في الأربعينات والخمسينات: أغنية الوصال والبكاء وتقليد العثماني والمصري. الأغنية الرحبانيّة قد تُبكي ولكنْ من جمالها.
الثورة كانت في الموضوع أيضاً وفي الكلام خاصةً. هل مَن كان سيضع أغنية محورها الباب والشبّاك مثل «أمي نامت ع بكير»؟ أو غنائيّة كـ«نورا» على غيرة سببها تنّورة؟ أو «قلّلي حلو مبروك هالفستان»؟ أو «نحن ودياب الغابات رْبينا»؟ الغناء الرحباني طافح بجوّ الجبل عافيةً وألفةً وإيقاعاً ورقصاً. لقد «استضاف» الرحبانيّان أجواءً بدويّة وأخرى أندلسيّة، ولهما ألحان «عربيّة» مسترخية، ولكنْ على سبيل التنويع ولإرضاء أكبر عدد ممكن من المستمعين. ورغم «تشديد عروقها» كانت هذه التشكيلات تبدو غالباً أضعف أوقات العرض الرحباني. لعلّنا لا نجافي الحقيقة إن قلنا إن عاصي الرحباني الأهمّ موجود على قمّتين هما شفافية منتهى الرقّة وعاصفة القوّة الجارفة.
وقبل أن ننهي هذا المقطع نضيف أن الرحبنة سمة ملازمة للأخوين حتّى في شطرهما الغربي. وبالغربي نقصد، مثلاً، الأغاني التي على إيقاع التانغو: «يا زنبق»، «مشوار»، «شال»، وسواها. وحتّى الأغاني المترجمة لحنيّاً في مرحلة سابقة كانت كلمات الأغنية تقيم لها توازناً هنيئاً مع اللحن. والتوازن الأكبر هو على الدوام صوت فيروز.
اختلفت الأغنية الرحبانيّة اختلافاً رئيسيّاً عمّا قبلها شكلاً ومضموناً، لا بفضل التوزيع وحده بل بسبب روحها كلّها: تقطيعها وتركيبتها، قِصَرها، لغتها، موضوعها، نمط الحكاية الذي اشتهر به عاصي. حتّى القصيدة الفصحى لا تشبه ما قبلها. قصيدتهما حميمة دافئة لا أثر فيها لتقليديّة القصيدة العربيّة المسهبة و«الكاسرة» على المستمع. ولعلّ أغنية «سائليني» تظلّ نجمةَ هذا النوع. ولكنْ حتّى القصائد التي اختاراها لسائر الشعراء اختاراها أقرب ما تكون إلى عالمهما الجديد. كل أغنية رحبانيّة هي مختلفة عن سلالاتها السابقة. وأغنيتهما الفرديّة، وهي لا تتجاوز بضع دقائق، تتلألأ بين الأغاني العربيّة كلحظة المعجزة. الجوقة ذاتها عندهما تُحسّها، من فرط عنايتهما بتمييزها والاعتماد عليها عنصراً جوهريّاً، كأنها مطرب فَرْد لا جوقة.

■ ■ ■

لا أحد يعرف ماذا كان كتب لو بقي، لكنّنا نُقدّر أنه ما كان لينكث بعهده في النطق بأحوال محيطه وإعانة هذا المحيط والحلم له بمخارج. كان من جنس الآباء الأنبياء. لم يكن مفكّراً محترفاً لكن الفكر كان، كما يحصل لدى عظماء الفنّانين، عنصراً أساسيّاً في مشروعه. كان عاصي الرحباني فنّاناً شموليّاً يمتلك رؤيا متكاملة من أعلى الهَرَم إلى أدنى حجارة القاعدة. لم يكن يحتاج إلى أكثر من معاونين ومنفّذين وبالأكثر متواطئين مشاركين في النظر والتطبيق، باستثناء فيروز التي تَحقَّق له معها، صوتاً وحضوراً عاماً وخاصّاً، أكثر ممّا يحلم شاعر وملحّن ومعمّر عوالم جماليّة بأن يَنْعم به. لقد حظي معها بكمنجته الفضلى، كمنجته الوحيدة من نوعها، الكمنجة والبُزُق والقانون والناي والمزهر والبيانو وسائر ما يُرى وما لا يُرى من أوتار التعبير، فأشبعت فيه كلّ جوع إلى الإفصاح، من الإيحاء إلى الهتاف، من الظليل إلى الساطع، من أنعم الهدهدة إلى أشدّ التجييش.
إن استحضار عاصي ومحاولة اعتصار مواقف محتملة له في أوقات الشدّة ليس ظلماً له بل هو تعبيرٌ عن خواءِ واقعنا الفنّي واعترافٌ بضخامة دور ذلك العملاق الذي لم يعادل عبقريّته سوى تواضعه.

■ ■ ■

تتبادر إلى الذهن لدى الإشارة إلى شموليّة عاصي الرحباني شموليّة فنّان آخر هو فاغنر، طبعاً دون ادّعاء المشابهة على صعيد آخر. المقارنة جائزة لأن الاثنين توتاليتاريّان في المفهوم الكلّي للعمل الفني: كلاهما لديه تصوّر مُتمَّم للمسرح والموسيقى والتمثيل والموقف الحضاري. هنا تنتهي المقارنة. وتعود سطحيّاً لدى تذكُّر أوبريت «رحيل الآلهة» للرحبانيّين (بعلبك 1960): هنا يناشد الآلهةُ الصبيّةَ (فيروز) الرحيل معهم فيما يناشدها البشر البقاء بينهم وتختار البقاء. وفي أوبرا لفاغنر ينتزع البطل سيغفريد نصف الإلهة برونهيلد من حالها نصف الإلهيّة ويعيدها إلى البشر منقذاً هؤلاء ونفسه والمرأة بالحبّ. في «جسر القمر» (1962) تعود الصبيّة المسحورة إلى طلب الخلاص بالحبّ. الحب الرحباني هو بالأكثر الحنان. هو الخوف على الآخر. «معقول يا قرنفل اقتلِك؟ معقول حدا يقتل حدا خاف عليه؟» يقول الوالي في ختام «صحّ النوم» لفيروز. وفي «ناطورة المفاتيح» يتطهّر الملك من جرائمه بالندم ويعقد مع الشعب عهد المحبّة. أين نحن من فاغنر: بدأ بالتفاؤل وانتهى بالتشاؤم. عاصي شاعر وفنّان معدنه الطيبة والسخاء وفاغنر رائد القوّة الساحقة والدم. مع فاغنر نواجه غربةَ صقيعٍ تام. محيي أساطير التفوّق الجرماني والهيمنة العنصريّة. فنّان يتألّه وفنّان يؤاخي الرعاة والصيّادين والعشّاق ودبّيكة الساحات ويأخذهم ويأخذ معهم سائر الحالمين والبسطاء إلى حقول الفرح المفتوح على الفرح. فنّانٌ يتشامخ ويتشاوف بميلوديّات لا تبدأ ولا تنتهي، مثقلة ثقيلة، تضيع أحياناً في تلافيف ذاتها دون ختام، وآخر لا يتدفّق منه سوى الشَغَف والحبور، رَقْص الروح وكل المسام، نعمةً فوق نعمة. واحدٌ يسحرك ويخيفك، وآخر يسحرك ويغمرك بالطمأنينة. ثمَّة من يَنْبش الأساطير ليبني عليها وثمّة من تتحوّل حكاياته البسيطة الى أساطير. عاصي هو الثاني. إنّه الذاكرة الثانية. لم يوجِد فولكلوراً في قلب الفولكلور فحسب بل أقام منائر للأمل في غابة الوحشة. دعك من عظمة الكلاسيك. دعك من مشاعر النقص. شعبيٌّ مبارَك الأثر، ذو مناخ مَطهريّ فردوسيّ ومفاعيل مرتقية بأفضل ما في الإنسان، هو أخو الكلاسيكي العظيم المُفعم روحك بالجمال. تسقط الجدران تحت شلّالات النور.

■ ■ ■

«لم يكن عنده مستحيل» تقول فيروز. وكان أمهر خبير في استخراج أفضل ما في الأصوات.
حتماً كان سيجد أماكن التلاقي بين الجسور التي نراها اليوم مقطوعة. تلك كانت إحدى مواهبه. حتماً كان سيخلق الأعمال التي تعلو فوق الانقسامات. لا نستطيع أن نتكهّن بما كان سيفعل، ونستطيع أن نجزم بأنه كان سينفخ فينا الهواء الناقص ويشعل القناديل المطفأة. هناك كلمة حقّ كانت له وحده وكان، لو بقي، سيدفئنا بها، ونفحةُ عذوبة وجمال كانت له وحده وكان، لو بقي، سيعطينا إيّاها. كان منصور يتطلّع إلى وقت ينصرف فيه لتأليف الموسيقى الصافية، والأرجح أن عاصي لو دامت له العافية والحياة لما لحّن إلّا للغناء وللحّن أوّلاً ودائماً لفيروزه الرائعة.
يقول، وتغنّي فيروز في نهاية «صحّ النوم»:
«رميتْ السعاده للناسْ
زَهّرِتْ بإيدي»
صحيح يا عاصي؟ تقول إن حقّك وصلك بإسعاد الآخرين، هل نصدّق؟ خلناك، خصوصاً منذ «جبال الصوّان»، قد داخلتك الأسئلة ذات الغصّة. وفي مرضك وصل القلق إلى حدّ «الهدير الدائم». لم يسعفه هدير عطائك. لم تمسحه محبّة الناس. ومن إيمانك بالحبّ، إيمان العقود الأولى، رحتَ تجاهر بإيمانٍ بديل هو الإيمانُ بالفنّ وحده. نسيت شيئاً، وهو أن إيمانك ذا الوجهين كان منذ البدء هو نفسه: لا حبّك كان لحظة واحدة بدون فنّ ولا فنّك لحظة واحدة بدون حبّ.
أنت هو جسر القمر، رفعتَ الجسر، وأضأتَ القمر، وسوف يظلّ يضيء.