كل شيء في حياة سميرة بارودي يدور في فلك الحب. منه انطلقت طفلةً إلى عالم الفن، وعرفت طعم الشهرة والغرام والاستقرار، لترسو أخيراً على رأس نقابة الفنانين المحترفين في لبنان. اكتشفت صاحبة الخامة الدافئة والطلة الساحرة باكراً أن الفن هو قدرها، وسارت على الطريق الممتعة والشاقة في آن معاً، لتتذوق طعم النجاح وتعرف التألّق والنجوميّة.

حب المسرح استبدّ بها ولمّا تكمل عقدها الأوّل، فجعلت من كل سطح خشبي مسرحاً تؤدي عليه أدوارها المرتجلة. كانت تارةً تعتلي طاولة الطعام، وطوراً «الطبليّة». ومن حي «النوري» في طرابلس (شمال لبنان)، انتقلت ابنة الثماني سنوات إلى الإذاعة اللبنانية وشاركت في ثلاثية «زهرة لا بل زهرتين» في مناسبة عيد الأم. يومها، أُدرجت هذه الحلقات على برنامج لنقابة ممثلي المسرح والسينما والإذاعة في الشمال برئاسة محمد ميقاتي، شقيق المخرج نزار ميقاتي الذي شارك الفنان اللبناني حسن علاء الدين (شوشو) في معظم أعماله تأليفاً وإخراجاً.

هذه التجربة زادت من حب الطفلة للفن، وأسهمت في إبراز موهبتها. هكذا، شاركت في معظم الأعمال التلفزيونية والإذاعية مثل «أجمل ليالي شهرزاد»، و«قصص وأساطير»، وزاد دعم والديها لها من فرحتها: «اعتبروني طفلة وتتسلى» تقول. ثقتها بنفسها زادت أيضاً بعد حصولها على بطاقة نقابية، فإذا بها أصغر عضو في نقابة الفنانين وقتئذٍ: «لم يكن الأمر قانونياً، لكن في بلدنا كل شيء ممكن».
سبحة الأعمال كرّت، وزاد نهم الصبية الجميلة إلى التمثيل. شهدت الفترة التي سبقت عام 1975 غزارة في إنتاجها الفني. إذ قدمت العديد من الأفلام السينمائية مثل «غارو» (1965) للمخرج الراحل كاري كارابتيان، و«شارع الضباب» (1967) و«الطريد» (1968) للمصري سيد طنطاوي، و«إيدك عن مراتي» (1968) لرضا ميسر. كذلك شاركت في الكثير من المسلسلات التلفزيونية، ومنها «فارس بني عياد» (1968)، والمنتقم (1969)، و«الجوال» (1973) التي جمعتها بزوجها إحسان صادق، إضافة إلى «صراع مع الحب» (1971) و«أبو المراجل» (1968) لجان فياض.
كغيرها من الفنانين اللبنانيين، اصطدمت بارودي بتداعيات الحرب الأهلية اللبنانية التي «تدخلت بقراراتي وأبقت طموحاتي مع وقف التنفيذ». إلا أن نشاطها الفني لم يتوقف، بل توسع أكثر على نطاق العالم العربي، فشاركت في المسلسل الأردني «شمس الغايب» (1991). وفي سوريا عملت تحت إدارة المخرج الراحل عدنان إبراهيم الذي أعادها إلى الساحة بعد غياب خمس سنوات، من خلال مسلسلَي «ليل السرّار» (2004) و«رجاها» (2005). وبعدها قدمت المسلسل الكوميدي «بنت النور» (2008) للسوري سامر البرقاوي، و«أبو جعفر المنصور» (2008) للتونسي شوقي الماجري، و«آخر أيام الحبّ» لوائل رمضان.
خاضت بارودي تجربة الدبلجة، ومثّل صوتها العمود الفقري للكثير من الرسوم المتحركة، أبرزها للمخرج وائل الصعيدي مثل «نينجا» و«سانشيرو» (1986)، و«البطل الخماسي» (هايوما)... فضلاً عن المسلسلات المكسيكية، ومن بينها «مريا ابنة الحي» و«ماريمار».
لا تنكر سيدة الشاشة اللبنانية فضل «تلفزيون لبنان» والإذاعة اللبنانية في انطلاقتها العربية: «كلاهما لعب دوراً محورياً في شهرة الفنانين اللبنانيين آنذاك». لكن يبقى المسرح في صدارة أحلامها: «يتيح لي قول ما لا أستطيع المجاهرة به في الحياة العاديّة». وفي معرض حديثها عن أحب المخرجين اللبنانيين إلى قلبها، تشدّد على أهمية المخرجين كاري كارابتيان وجان فياض قبل أن تضيف: «إيلي سعادة وأنطوان ريمي أيضاً قدّما أعمالاً ممتازة، وكذلك معظم المخرجين الذين أسسنا وإياهم الدراما اللبنانية». تطفئ سيجارة وتشعل أخرى، وتكمل مؤكدةً أنّ صداقاتها كثيرة من الوسط الفني على امتداد العالم العربي: «الله أنعم عليّ بصداقات كثيرة ولا أستطيع أن أذكرها كلها».
الحب أيضاً حكم علاقتها بمدينتها طرابلس، هاجسها الدائم، التي ولدت فيها عام 1955، ولا تزال تزورها في نهاية كل أسبوع.

حرصت بارودي منذ البداية على تخصيص عاصمة الشمال بحصة ثقافية وفنية كبيرة، من خلال تأسيس «بيت الفن» مع مجموعة من الفنانين عام 1994 ثم إقامة المهرجانات فيها، وكان آخرها «مهرجان المسرح العربي 2011» الذي تشارك في عضوية لجنته التنفيذية. فرحة عارمة تغمر بارودي وهي تتحدث عن المدينة التي كبرت فيها: «أستمد منها قوّتي وأحب أن أراها في عيون الناس كما هي في عيوني». حبها لجذورها يشبه حبها لإخوتها الخمسة الذي وصل إلى حد «الالتحام»: «تربّينا بطريقة عفوية، لكنها متينة جداً».
وعندما حان الوقت لقلبها أن يدق، لم تتردد بارودي أبداً في الاستجابة. علاقتها بالفنان اللبناني إحسان صادق هي «علاقة حب بكل ما للكلمة من معنى». الثنائي وقع في الحب خلال تصوير مسلسل «فارس بني عيّاد» (1968)، وتزوجا بعد إنجازهما المسلسل التالي «المنتقم». «إحسان معلّمي» تقول، علّمها الغرام والتفاني والدبلوماسية والنضال، ولم يعد مجرّد حبيب، بل صار جزءاً منها. «أشعر بأنه ابني وأحس بالكثير من المسؤولية
تجاهه».
لا تنكر سميرة بارودي أنهما يتصادمان أحياناً، لكنها ترى ذلك دليلاً على صحة علاقتهما. لا شك في أنّ حباً كبيراً جمع هذين العشيقين حتى يستطيعا كسر مسلمات اجتماعية عدة، منها الفارق الكبير في السن، واستمرار زواجهما من دون أولاد: تقول «هو أغلى من أي ولد، الولد سيتركني عاجلاً أو آجلاً، وسأتحول إلى رقم 2 في حياته، أما هو فلا».
حب من نوع آخر وجد طريقه إليها هو العمل النقابي. منذ عام 2009، تسلّمت بارودي منصب نقيبة الفنانين المحترفين، وما زالت تدير مؤسسة تجارية مع شقيقها طلال في طرابلس. حتى إنّها لم تعد تجد وقتاً لفعل ما تحب: «أحياناً لا أجد ربع ساعة لأصفف شعري». تقرأ كل ما يقع بين يديها، لكن الرواية تشدها كثيراً. تذكر رواية «الأم» لمكسيم غوركي التي قرأتها أكثر من عشر مرات، و«ذهب مع الريح» لمارغريت ميتشيل، و«لمن تقرع الأجراس» لأرنست همنغواي. فوق هذا، هي ذوّاقة رفيعة للموسيقى. عشقها كبير لأصوات سعاد محمد التي غيّبها الموت قبل أيّام قليلة، وفيروز، ووديع الصافي، وفايزة أحمد، وصباح. تسترق القليل من الوقت لسماع «الأغنية العربية القديمة» وهي في طريقها إلى طرابلس، أو يوم الأحد عندما تتناول الغداء مع «حسون».
الوقت يمرّ بسرعة في حضرة هذه المرأة التي تفرض على محدثها الإعجاب، وترصّ حديثها بكلمات مغزولة بخامة دافئة ولغة عربية صحيحة...لم يسكنها يوماً هاجس العمل مع الكبار، بل كان «النص الجميل والعمل الجيّد» نقطة الارتكاز التي ثبتت خطاها الفنية... سرّها الوحيد هو الحب الذي يملأ قلبها ويسكنها!




5 تواريخ


1955
الولادة في طرابلس (شمال لبنان)

1963
بدأت مبكراً على طريق الفن،
عبر ثلاثيّة «زهرة لا بل زهرتين»
في الإذاعة اللبنانية

1991
مثّلت في المسلسل الأردني «شمس الغايب»

2004
عادت إلى التلفزيون
من خلال مسلسل «ليل الأسرار»

2011
تدرس عروضاً للمشاركة
في مسلسل تلفزيوني جديد