كما فعل أقرانه من مؤسّسي مجلة «شعر»، ترجم شوقي أبي شقرا نصوصاً لشعراء مثل: رامبو ولوتريامون وأبولينير وريفيردي، لكنّ هذه الممارسة ظلّت هامشية وبعيدة عن شعره. كانت الترجمة جزءاً أساسياً من مشروع المجلّة، وكان طبيعياً أن تتسرّب الحداثة (خصوصاً طبعتها الفرنسية) إلى نصوص شعراء المجلة وبياناتهم عن الشعر العربي الحديث... لكنّ تجربة صاحب «أكياس الفقراء» (1959) بدت منذ البداية مكتفية بمناخاتها المحلية.


بدا كأنّه اهتدى إلى نبرته قبل التحاقه بالمجلّة، ثم واظب على كتابتها وتطويرها أثناء عمله فيها، وبعد توقّفها عن الصدور أيضاً. هكذا، كان أبي شقرا مع الجميع في المجلة، وعلى حدة مع قصيدته. جاء أبي شقرا إلى الشعر من باب المدرسة اللبنانية التي كانت تشهد آخر تجلياتها الرومنطيقية لدى صلاح لبكي وأمين نخلة والياس أبو شبكة. كتب محاولات أولى بالفرنسية، ثم قصائد عمودية. بدايته الحقيقية كانت في إنجازه قصائد تفعيلة مختلفة عن تلك التي دشّنها الرواد العراقيون، قبل أن ينتقل إلى قصيدة النثر في ديوانه الثالث «ماء إلى حصان العائلة» (1962) الذي مُنح جائزة المجلة في العام نفسه. تحرّر أبي شقرا من القافية والأوزان الصارمة، لكنّه استأنف إقامته في المعجم اللبناني الغني بمفردات الطبيعة والريف والجبل. مزج الشاعر الرومنطيقية اللبنانية بسريالية فطريّة متحصّلة من زحزحة المفردات الريفية عن سياقها التقليدي. هكذا، تحالفت الإقامة اللغوية مع نشأته الريفية في كتابة قصائد تحتفي بالحمار، والعصفور، والوزال، وإبريق الشاي، والطبليّة والمجدرة. لم يكن ذلك جديداً على الشعر اللبناني، وخصوصاً المكتوب بالعامية، لكنّه كان مكتوباً بروحية حديثة قادرة على جعل القصيدة الحديثة أشبه بألعاب طفولية مدهشة تبدو مضحكة لأوّل وهلة، قبل أن تكشف لقارئها عن تقنيات الخيال الهائلة التي استُخدمت في إنجازها.
ولد شوقي أبي شقرا في بيروت، إلّا أنّه عاش طفولته في رشميّا ومزرعة الشوف بسبب عمل الوالد في سلك الدرك. يتذكّر دراسته المبكرة في أحد الأديرة هناك، ومشاهد الطبيعة النقية التي «تخزّنت في ذاكرتي، وظهرت لاحقاً بترجمات مختلفة في قصائدي». نشأته اللطيفة تشوشت في سن العاشرة بفقدان الوالد في حادث سيارة. ولأنّه توفي أثناء خدمته العسكرية، ظلّ راتبه سارياً، بينما حصل الأبناء على منح دراسية. نقل الصبي عزلته الضيّقة في الدير إلى عزلة أوسع في القسم الداخلي لمدرسة «الحكمة» التي خرّجت عشرات الكتّاب والشعراء. هناك، اكتشف موهبته في الكتابة. «كنت متفوقاً في الإنشاء، فتحولت الكتابة إلى طريقة لتزجية العزلة، وإظهار نوع من التفوّق أمام زملائي». بين قاعة المدرسة العريقة وقاعات المكتبة الوطنية في وسط بيروت، أمضى أبي شقرا وقته في الدراسة والمطالعة. إضافة إلى إدمانه على صحف تلك الفترة وخصوصاً جريدة «المكشوف»، قرأ روايات وأشعاراً لكتّاب عرب وفرنسيين. مع إنهائه البكالوريا سنة 1952، كان قد نشر بعض القصائد في مجلة «الحكمة» بتشجيع وإعجاب من الكاتب الراحل فؤاد كنعان الذي كان مسؤول التحرير فيها. واظب على النشر في المجلة، وبدأ بالتعرف أكثر إلى الجو الثقافي. كان ذلك أشبه بتقديم أوراق شخصية إلى عالم الأدب الذي شهد حركة شعرية وثقافية هائلة في خمسينيات القرن الماضي وما تلاها. هكذا، أسس «حلقة الثريا» مع ثلاثة آخرين هم: جورج غانم، وإدمون رزق، وميشال نعمة.
مع انخراطه في مجلة «شعر»، بدا أنّ الشاعر وجد المكان اللائق بتجربته الواعدة التي لفتت يوسف الخال بـ«مذاقها اللبناني الغريب داخل قصيدة التفعيلة»، واستوقفت خالدة سعيد بصورها الجديدة، بينما امتدح أنسي الحاج «اللغة البيضاء» في ديوان «خطوات الملك»، واتصالها بـ«الروح الجبلي اللبناني» وانقطاعها في الوقت نفسه عن «الأدوات المهترئة» و«التقاليد الريفية» عند غالبية شعراء الجبل. هكذا، جمعت استعاراتٌ مثل: «سوَّست أضراسه بالضحك» و«بُحَّ اخضراري في النهار» و«ها أنا وحدي كسنجابٍ ورجلاي احتضار» بين غرائبيتها الطريفة وبين كونها مقترحاً شعرياً مختلفاً داخل الحداثة التي كانت تبشّر بها المجلة وقتذاك. يقول: «يوسف الخال انتبه إلى الناحية اللبنانية الأصيلة في شعري. تجربتي كانت استمراراً للمدرسة اللبنانية من خلال المجلة. شعرية «ماء إلى حصان العائلة» كانت لبنانية وجديدة في الوقت نفسه. الآخرون كانوا يكتبون على أساس مثاقفة مع آخر فرنسي وأنغلوسكسوني». بشكل تصاعدي، تتالت دواوين أبي شقرا ذات العناوين المدهشة والقصائد المنخرطة أكثر في عالمها الشعري الخاص: «سنجاب يقع من البرج» (1971) و«يتبع الساحر ويكسر السنابل راكضاً» (1979) و«حيرتي جالسة تفاحة على طاولة» (1983). كأنّ أبي شقرا اخترع قصيدته. أخذ معجم الحياة اللبنانية إلى فضاء آخر، حكّ نكهتها العامية التقليدية بحداثة معاصرة. يوافق حين نقول له إن تجربته كانت حصيلة خلط ذكي بين روح العامية وروحية الحداثة الفصحى، ويضيف: «أنا ابتكرت شكل قصيدتي ومضمونها. كان المضمون جامداً. أنا حركته وحوّلته إلى أسطورة مصنوعة من هوامش الحياة اللبنانية ويومياتها المهملة».
نقل أبي شقرا لغته الطريفة إلى الصحافة. إلى جوار عمله سكرتيراً للتحرير في «شعر»، عمل في جريدة «النهار». في البداية، تعاون مع أنسي الحاج في تحرير «الملحق الثقافي»، قبل أن يقترح على إدارة الجريدة تخصيص صفحة كاملة للأحداث الثقافية. تولّى أبي شقرا مسؤولية هذه الصفحة التي تحوّلت إلى تقليد راسخ في الصحافة اللبنانية. هناك، قضى الشاعر «أجمل سنواته وأكثرها إرهاقاً» في قراءة وتحرير وعنونة المواد التي وجدت طريقها إلى صفحته الغنية والمتنوعة. في الأثناء، توالت دواوينه: «لا تأخذ تاج فتى الهيكل» (1992)، «صلاة الاشتياق على سرير الوحدة» (1995)، «ثياب سهرة الواحة والعشبة» (1998). تجربة دامت عقوداً، لكنّها بترت فجأة سنة 1999 بقرار إداري أنهى خدماته مع زملاء آخرين بذريعة سن التقاعد. «العقوق»، بهذه الكلمة يترجم الشاعر مرارته كأن «سائق الأمس ينزل من العربة» (2000)، بحسب عنوان كتابٍ ضمّ نصوصاً له.
في صالون شقته في الأشرفية، محاطاً بلوحات رفيق شرف، وبول غيراغوسيان، وعارف الريس، وأسادور، يستعيد أبي شقرا محطّات عديدة من تجربته. «لقد كتبتُ بلادي»، هكذا وصف الشاعر تجربته مراراً. «معادلي الموضوعي كان محلياً. حتّى الأمثال اللبنانية تجدها مستثمرة في أعمالي». ألهذا لم يستقبله الجمهور العريض، وخصوصاً خارج لبنان؟ يقرّ بأن تجربته ظُلمت، ثم يستدرك: «هذا ليس خطأً في التجربة. الجديد لا يُنصف عادةً».
كيف تقضي وقتك؟ نسأل الشاعر الذي كرّمته «الحركة الثقافية ــ أنطلياس» قبل عامين. يفاجئنا بأنه منكبّ على كتابة مذكراته. والشعر؟ «لدي ما يكفي لديوان سينشر في العام المقبل مع المذكرات».




5 تواريخ

1935
الولادة في بيروت

1956
أسس «حلقة الثريا» مع ثلاثة من أقرانه، وانتقل بعدها بثلاث سنوات إلى مجلة «شعر»

1962
حاز جائزة مجلة «شعر» عن ديوانه الثالث «ماء إلى حصان العائلة»

1964
أسس الصفحة الثقافية في جريدة «النهار»، وأدارها مدة 35 عاماً حتى اعفائه من الخدمة بقرار إداري

2011
يضع اللمسات الأخيرة على مذكراته التي ستنشر العام المقبل، إضافة إلى ديوان جديد سيكون العاشر في تجربته