سمعت الصحافية الشابة عبلة الرويني الموظفة حديثاً في دار «أخبار اليوم» القاهرية باستحالة نشر حوار مع الشاعر أمل دنقل في الجريدة، لأنّ اسمه مدرج على قائمة الممنوعين من النشر. أخبرها زميل لها أنها ستجد صعوبة في نشر اللقاء، فـ«أمل شاعر يساري لن تسمح الجريدة بنشر حوار معه». حينها، في منتصف عام 1975، كانت عبلة مسكونة بهاجس كسر الإشارات الحمراء والخضراء والصفراء، مما منحها دفعاً قوياً لإجراء ذلك الحوار.


على الفور، راحت تبحث عن أمل دنقل في مقاهي وسط البلد وشارع طلعت حرب حيث كان يقيم بنحو دائم على حد تعبير معارفه. يمكن أن تلقاه هناك بسهولة، وخصوصاً في «مقهى ريش» لكنها اكتشفت أنّه لا يأتي إلا مساء، وهي تسكن في منطقة بعيدة عن وسط البلد. تركت له رسالة هناك كتبت عليها «يبدو أن العثور عليك مستحيل. يسعدني أن تتّصل بي في جريدة «الأخبار» ويشرّفني أكثر حضورك». تصل الرسالة ويتصل أمل ليكون اللقاء. الحوار الذي سيجد طريقه للنشر في ظروف خاصة، لن يتكرر ثانية مع شخصيات يسارية أخرى. أما لقاء أمل وعبلة فوصل إلى نقطة الزواج رغم موقف أمل الرافض للمؤسسة الزوجية، ووضعه المادي الصعب.
اليوم، تعمل عبلة الرويني رئيسةً لتحرير جريدة «أخبار الأدب» القاهرية المتخصّصة في الشأن الثقافي. لقد أتت إلى هذا المنصب على جناح «25 يناير». بعدما نجحت الثورة الأولى في إزاحة حسني مبارك عن الحكم، حدث تغيير شامل في رئاسة الصحف القومية التي كان القائمون عليها موالين للنظام السابق. حدث هذا التغيير تحت ضغط الصحافيين العاملين فيها الذين قالوا إنّه ليس من الجائز بقاء الحال على ما هي عليه بعد قيام الثورة وسقوط نظام مبارك. لكن ذلك التغيير الشامل لم يصل إلى بوابة جريدة «أخبار الأدب». لقد بقي رئيس تحريرها في منصبه رغم العديد من الملاحظات على أدائه وانحيازه إلى الديكتاتوريات العربية وعلى رأسها نظام معمر القذافي، إضافة إلى خلطه بين الخط التحريري للجريدة والخط الإعلاني. وهو ما دفع الشباب العاملين في الجريدة إلى إعلان إضراب مفتوح عن العمل وتنظيم وقفات احتجاجية عديدة للمطالبة بتنحيته. وهو ما تحقق بالفعل لاحقاً ليتم التوافق على اسم عبلة الرويني رئيسةً للتحرير ورضوخ المجلس الأعلى للصحافة لتعيينها في نهاية الأمر.
تبتسم رفيقة درب الشاعر الراحل أمل دنقل (١٩٤٠ ـــ ١٩٨٣) عندما نستعيد هذه التفاصيل. الآن بوسعنا أن نتكلّم عن الثورة بطريقة مختلفة. «كان لا بد من حصولها» تقول مضيفة أنّ الوضع على المستويات كافة كان قد وصل إلى نقطة اللاعودة وأنّ لحظة الانفجار كانت ستحدث. كان هذا عن طريق الشباب أولاً ليلحق بهم باقي فئات الشعب «مكونين تلك اللوحة الرائعة التي شاهدها العالم في ميدان التحرير».
يبدو موضوع الثورة هنا مناسباً لها للعودة إلى سيرة شاعر «الكعكة الحجرية». «لقد كتب قصيدته عن تظاهرات الطلبة عام 1972 في ميدان التحرير». تقول عبلة مضيفة بنبرة مبتسمة «فكّرت أن الزمن يعيد نفسه، وأنا أرى المشهد ذاته الذي رسمه أمل، والاعتصام ذاته في المكان عينه، حيث كان الطلبة يقومون بترديد القصيدة طوال الوقت». وهي استعادة تشير بقوة إلى أنّ حضور أمل دنقل ما زال قائماً ومتواصلاً في وعي الشباب. هو الحضور نفسه الذي يتكرر اليوم مع «ثورة يناير الثانية» التي عادت إلى الميدان مرة أخرى بعدما وجد الثوّار أنّ «عشرة أشهر بعد الثورة ولا شيء سوى الفوضى وإطلاق البلطجية، والسلفيين، والإخوان المسلمين، والفلول والفراغ الأمني. لا شيء إلا الخوف والرعب والإحباط والعنف. كما أن جميع الممارسات الحاصلة تشير بقوة إلى أنّ نظام حسني مبارك ما زال يتحكّم بالأدوات نفسها التي كانت في العهد السابق، إضافة إلى ممارسات وزارة الداخلية التي بدت كأنّها تستعيد تاريخها القديم السيئ كأنّ لا شيء تغيّر» تقول عبلة.
ولهذا كان لا بد من موجة جديدة للثورة يمكن عبرها تصحيح الخطوات والمسار وإعادة العجلة ثانية إلى الطريق الصحيح كي لا تذهب الانجازات التي تحققت في الثورة الأولى مع الريح. كان من الطبيعي بحسب عبلة الرويني أن تكون «أخبار الأدب» في الميدان وأن يصدر عددها الأخير ناطقاً باسم الثوّار ومنحازاً لهم، رافعاً مانشيت عريضة يقول «الشعب خط أحمر». إذ تصرّ الرويني على أنه لا يمكن الفصل بين الجريدة والميدان وبين الثقافي والسياسي «لأنّ ذلك الفصل هو منهج النظم الاستبدادية والمحافظة».
ولهذا كتبت في افتتاحية العدد أنّه «لا يمكن في أي حال من الأحوال أن يكونوا محايدين في المذبحة، وأنه ليس في إمكانهم الصمت، أو ادّعاء الحكمة وضبط النفس لأنه ليس في إمكان الكتابة أن تغمض العين، ولا أن تشارك في قنص العيون الدائر في ساحة التحرير، ليس في إمكان الكتابة ألا أن تكون برقاً ورعداً. ليس في إمكانها إلا أن تكون في اللحظة، شاهداً على الدم، والرصاص الذي يخترق الروح والجسد». وينسحب الحديث بنا ثانية ليقيم في منطقة أمل دنقل الذي تبدو عبلة الرويني، وهي تحكي عنه كأنه ما زال يعيش معها، كأنها تركته في البيت مشغولاً بكتابة قصائد جديدة، وأتت هي إلى الجريدة كي تمارس عملها الصحافي. إنه أمل الذي وصفته في كتاب «الجنوبي» وحكت فيه سيرتها معه. إنّه «فوضوي يحكمه المنطق، بسيط في تركيبه الشديد، صريح وخفي في آن واحد، انفعالي ومتطرف في جرأة ووضوح وكتوم لا تدرك ما في داخله أبداً». كما أنه أمل الذي «لا يحب منطقة الوسط ولا ينتمي إلى المناطق الرمادية ويمقت الحلول الوسط».
هل أخذ هذا الشاعر حقه من التكريم والتقدير؟ تجيبنا وابتسامة واسعة ترتسم على ملامحها: «لم يكن أمل يبحث عن أي تكريم، ولم يكن هذا الأمر يدور في باله وتفكيره أبداً». ثم تضيف مستغربة «ثم من سيكرم مَن؟» في إشارة إلى أن هذا الوسط الرسمي المعني بتكريم الأدباء والشعراء وسط أقل بكثير من هامات من يقوم بتكريمهم.
التكريم الحقيقي والفعلي لصاحب «لا تصالح»، كما تشير الرويني، يتجلّى في حضوره الدائم في الشارع مع الثوار. هناك ظاهرة تتمثّل في الاستعادة المستمرة اليوم لقصائده في مختلف ميادين التغيير والثورة في مصر وتونس واليمن وسوريا. وهذا هو التكريم الأكبر الذي يمكن أن يناله أي شاعر: «لقد صنع أمل دنقل معجزته بقصيدته، ولا يحتاج إلى أي تكريم من خارج هذه القصيدة التي كرمته بذاتها». طوال الحديث، لاحظنا أن طيف الشاعر لم يفارقنا. إنّه يقيم في حياتها، تقول لنا إن كل السنوات والأحداث لم تقو على زحزحة هذا الحضور. ثم تضيف: «ما زلت أعيش في منطقة ضوئه».





5 تواريخ

1953
الولادة في القاهرة

1976
إجازة فلسفة
من «جامعة عين شمس»

1979
زواجها بالشاعر المصري الكبير
أمل دنقل (١٩٤٠ ـــ ١٩٨٣)

1990
صدور كتاب «الجنوبي ـــ أمل دنقل»
(مكتبة مدبولي ـــ القاهرة)

2011
تسلّمت رئاسة تحرير
«أخبار الأدب» المتميّزة
على الساحة الثقافيّة العربيّة