كان يفترض أن يتوقف زياد أبو عبسي عن التخبيص بالأكل والشرب، لكنّه لم يفعل. فكانت نتيجة الفحص أن دمه لونه أبيض، لا أحمر، من كثرة الدهنيات. لكن هل كان مهتماً بأن ضغط الدم لم يرتفع؟

كان يفترض ألا يغرق في حياة بعيدة عن الناس، تزيد من إحباطه، ومن أعلى درجات الاكتئاب، لكنه بعد موت الأهل، صار يعيش في ما يشبه العزلة، كأنه ينتظر قدره هو الآخر!
كان يفترض أن تقوى عزيمته ويعود إلى التعليم والتدريس، لكنه غرق في صمته وفي تعبه، حتى صارت صحته تمنعه من الخروج من المنزل ساعات طويلة!
كان يفترض أن يتنازل عن شروطه الصعبة في الحياة والتعامل مع الآخرين، لكنه قرر أن هذا هو الطريق الأنسب. زعل من زعل ورضي من يرضى!
كان يفترض أن يعيد صياغة نصوص لأدوار لم تصل إلى خشبة المسرح، لكنه رفض دوماً إعادة تمثيل أدوار طبعت صورته عند الجمهور، بعد مشاركاته في مسرح زياد الرحباني!
كان يفترض أن يتصالح مع الرحباني، لكنه أفتى أخيراً بأنه لا يريد القطيعة الشخصية، لكنه لا يريد العودة إلى العمل!
كان يفترض أن يلتقي بالأصدقاء خارج المنزل، وأن يخرج بعد أن يطمئن من الطبيب إلى أنه صار بحال أفضل، لكنه فجأة عاد واختفى!
كان يفترض أن يجري عملية جراحية في مستشفى، كما هي حال المرضى على شاكلته، لكنه ذهب إلى عيادة خاصة. والسبب معروف، وخصوصاً عندما يرفض أن يتلقى مساعدة من أحد. والحال أن الوضع الصحي يستلزم منه علاجاً من نوع مختلف، لكن، كما في كل مرة، وجد أن هذا هو الأفضل، أو هو الأنسب له، فقال لاحقاً إنه أجرى العملية، وإنه سيرتاح بضعة أيام، ثم يخرج إلى النور، لكنه لم يفعل!

كما قال الراحل أنسي الحاج في رثاء جوزيف سماحة، فإن موت زياد أبو عبسي، قَتْل


كان يفترض أن يعود ليكتب عن الفلسفة وأمور الحياة، وحاولت إقناعه بالكتابة المباشرة والتعليق على حياة الناس اليومية، بأسلوب ساخر. أعجبته الفكرة، قال إنه يفكر بالأمر وسيحاول… لكنه لم يفعل!
كان يفترض أن يعيش «أبو الزلف» أكثر مما عاشته الكذبة، وكان يفترض أن يعيد رسم مشهد فضح سلوك الناس النائمين تحت أرجل زعامات تحرق البلاد كما يظن. لكنه لم يفعل!
كان يفترض ألا يموت زياد هكذا... لكنه، عندما قرر قبل فترة أن يكون حليق الرأس، مع جرعة أعلى من المأسوية والقرف، كان كأنّه يستعد لمشهده الأخير... وهذا ما فعله!
كان يفترض أن نلتقي الخميس المقبل، وهذه المرة، قال إنه سيخرج من المنزل ويزور الحمرا، و«اعترف» بأنه يمارس تعسفاً كبيراً بحق ربيع الزهر وطارق تميم. لكنه لم ينتظر الخميس… ومات!
لم ينتحر زياد. كان يستعد لحياة إضافية، مع جديد يقرره هو لنفسه. لكن موته، مثل موت الناس الرائعين. وكما قال الراحل أنسي الحاج في رثاء جوزيف سماحة، فإن موت زياد أبو عبسي، قَتْل. جريمة يتحمل مسؤوليتها هذا البلد التافه بكل من فيه وما فيه!