كل الضجة التي أحدثتها الحكومة في سعيها لتخفيض العجز، لم تقترن بمساعٍ جدية تطاول المسارب الفعلية للهدر. تشغيل معامل الكهرباء على الغاز، أفضل خيارات تخفيض العجز. رغم ذلك، لا أحد يعرف لماذا لم تتخذ الحكومة قراراً بشأن مناقصة محطات الغاز التي أطلقت العام الماضي. القرار الوحيد الذي اتُّخذ، تأجيل صلاحية المناقصة ثلاثة أشهر إضافية. فهل تكون هذه الخطوة مقدمة لإلغاء جديد للمناقصة؟

في 20 أيار الماضي، انتهت فترة الستة أشهر التي كان يُفترض بالحكومة أن تُقرّ فيها نتيجة مناقصة محطات الغاز (FSRU) («الأخبار»، 28 تشرين الثاني 2018)، من دون أن يصدر أي إعلان يحدد اسم الفائز أو يحدد مصير المناقصة. ففي كانون الثاني، كان تقرير الاستشاري العالمي «Poten & Partners» بشأن النتيجة الفنية للمناقصة جاهزاً، إلا أن أحداً في وزارة الطاقة أو في منشآت النفط لم يصدر أي قرار بشأنه، كذلك لم يُصَر إلى فضّ العروض المالية. ما تسرّب منذ ذلك الحين، نجاح ستة عروض من أصل ثمانية في التقييم الفني، أربعة منها قدّمت عرضاً لتنفيذ المحطات الثلاث لتحويل الغاز المسال المستورد بواسطة الناقلات البحرية إلى غاز يمكن استخدامه لتوليد الطاقة. لكن هذه المرحلة كانت النهاية، إذ غابت أخبار المناقصة لنحو ستة أشهر، هي فترة صلاحيتها، وهو ما أجبر وزارة الطاقة على إصدار قرار قضى بتمديد هذه الصلاحية ثلاثة أشهر إضافية (تنتهي في ٢٠ آب)، ريثما يتقرر مصيرها.
كل هذا التأخير يترافق مع اقتناع كامل من قبل الوزارة، كما من قبل كل العاملين في قطاع الكهرباء بأهمية الغاز كمادة استراتيجية تساهم في خفض عجز مؤسسة كهرباء لبنان، وبالتالي تساهم في خفض عجز الموازنة. علماً أن هذا العجز كان حجة الحكومة للمسّ بمكتسبات الموظفين وحقوقهم، لكنه لم يكن سبباً كافياً لتسريع حسم مصير المناقصة، أو حتى للبحث عن حلول أخرى لاستقدام الغاز.
وإذا كانت وزارة الطاقة قد سبق أن أعلنت أنه فور توقيع العقد، سيحتاج التنفيذ إلى سنة ونصف سنة، فهذا يعني تضييع فرصة البدء بتشغيل معملي الزهراني ودير عمار على الغاز في منتصف عام 2020. والتأخير هنا يمكن احتسابه بالأموال الفائتة، فإذا كان تشغيل المعامل على الغاز يعني توفير ما يقارب مليار دولار في فاتورة المحروقات سنوياً، فإن التأخير غير المبرّر، لمدة ستة أشهر، ثم ثلاثة أشهر، يعني أنّ الدولة قررت بملء إرادتها خسارة نحو 750 مليون دولار. وأكثر من ذلك، يتبين أن لا حلول قريبة لتشغيل معامل الكهرباء على الغاز، أي أنّ الخسائر ستكون أكبر من أن تقاس، خاصة أنّ محاولات تفعيل اتفاقية الاستجرار مع مصر، لا تزال متعسّرة.

وزارة الطاقة تُمدّد صلاحية المناقصة ثلاثة أشهر


وعليه، فإن مهلة الثلاثة أشهر التي أعطتها الحكومة لنفسها، ريثما تقرر مصير المناقصة، إنما تعبّر، حسب مصدر معني، عن خفّة لا متناهية من قبل السلطة في التعامل مع قضية استراتيجية، يفترض أن تعطى الأولوية منذ سنوات طويلة. والأغرب أنّ التمديد لا يقترن، بحسب معنيين في القطاع، بخطة واضحة للتعامل مع نتيجة المناقصة، بل يشكّل عملية شراء للوقت، ريثما يتقرر مصيرها.
اللافت أن مصدراً معنياً يجزم بأنّ التأجيل خطوة أولى قبل إلغاء المناقصة من أساسها. يحكى في هذا الصدد أنّ السبب المباشر هو التفكير في ربط مناقصات الغاز بمناقصات معامل الكهرباء التي يجري إعداد دفاتر شروطها. بحسب وجهة النظر هذه، من الأفضل أن تترك مسألة تأمين الغاز للشركات التي ستفوز بعقود إنشاء المعامل، فتتكفل هي بتكاليف المرحلة الانتقالية، على أن تتحول أثناء المرحلة الدائمة إلى بيع هذه المادة للحكومة.
وبالرغم من أن هذا الخيار موضوع على الطاولة بجدية، إلا أن مصادر متقاطعة تعتبر، في المقابل، أنه لم يجرِ السير بالمناقصة بسبب اعتراضات تتعلق عملياً بنتيجة المناقصة، حيث قُبل الملف التقني لست شركات لا تستوفي كلها الشروط التقنية المطلوبة. أضف إلى أنّ سفارات عديدة أبدت امتعاضها من النتيجة. أما السبب الثاني لتأجيل المناقصة، فهو عدم القدرة على تسويق الحاجة لثلاث منصات تغويز على الساحل اللبناني (البداوي، سلعاتا، الزهراني)، والتأكد أنها لا تجدي نفعاً في الحالة اللبنانية. إذ إنها ستُؤدي إلى دفع أموال طائلة يمكن توفيرها لو روعيت المصلحة الوطنية لا المصالح السياسية. فحتى أكثر المؤيدين لاستجرار الغاز يتحفظون على وجود ثلاث محطات، معتبرين أنّ المبرر الوحيد لوجودها هو تثبيت الفيدرالية غير المعلنة، مالياً وطائفياً، فيما تراوح الآراء الفنية بين داعٍ إلى حصر المحطات بمحطة واحدة توضع في البداوي وبين اثنتين في البداوي والزهراني (يعتبر أصحاب الرأي الثاني أنّ تمديد الأنابيب عبر بيروت عملية معقدة وتحتاج إلى نحو خمس سنوات، ما يعني أن وجود محطة ثانية في الجنوب يعوض الخسائر التي يمكن أن تنتج من تأخير تمديد الأنابيب).
في مطلق الأحوال، إنّ إلغاء المناقصة الحالية، إذا حصل، سيكون الإلغاء الثاني لمناقصة استقدام محطات استيراد الغاز الطبيعي، إذ إن الحكومة سبق أن ألغت المناقصة الأولى في عام 2016. علماً أنه في ذلك الحين كانت المناقصة تنص على إنشاء محطة واحدة لا ثلاثة (ترك للشركات تحديد مكانها). وهذا يعني أنّ الهدر المقونن يمتدّ من سنوات طويلة، فعلى الأقل لو أخذ بنتيجة المناقصة الأولى، ولم تعرقل، لكان لبنان ينعم منذ العام الماضي بمحطة غاز وفّرت عليه مئات الملايين من الدولارات.
خلافاً للسبب المعلن حينها عن عدم أهلية الشركة التي فازت بالمناقصة، فقد تبين بعد إعلان المناقصة الثانية أن السبب هو صراع المصالح السياسية الذي نشأ بعد إلغاء المناقصة (التي أطلقت في عام 2013 وألغيت عام 2016). ثم في عام 2017، أنجزت التسوية، فوافق مجلس الوزراء على مشروع مسودة إعلان النيّات (شروط التأهيل) لإنشاء ثلاث محطات عائمة (بواخر) لا واحدة: البداوي والزهراني وسلعاتا. كذلك قضى القرار بإنشاء خطي أنابيب، الأول من صور إلى الجية مروراً بالزهراني، والثاني من البداوي إلى الذوق مروراً بسلعاتا، مع درس إمكانية ربط مدينة بيروت والمناطق الصناعية بخطوط الغاز المنشأة. لكن يبدو أن الحل - التسوية، الذي أُقرّ قبل سنتين ليخدم المصالح السياسية، لم يحقق الهدف منه، فعاد وتعثّر.



العروض المقبولة فنياً
بحسب التقرير الذي أعده الاستشاري الدولي عن نتيجة العروض الفنية، فقد تبين أن ستة ائتلافات من أصل ثمانية، تراعي الشروط الفنية الموضوعة في دفتر شروط المناقصة، هي:
- غاز ناتورال فينوزا Gas Natural Fenosa (شركة إسبانية موردة للغاز المسال).
- بي دبليو BW (شركة ماليزية تملك وتشغّل محطة غاز في مصر)، فيتول Vitol (شركة مورّدة للغاز ويمثلها روني راشد في لبنان)، بوتاك Butec (يملكها نزار يونس)، المباني (يملكها النائب نعمة طعمة)، روسنفط Roseneft (شركة روسية لتوريد الغاز المسال).
- إكسيليريت Excelerate (شركة أميركية متخصصة بمحطات التغويز)، شل Shell (شركة أوروبية موردة للغاز)، بي بي إنرجي (لآل بساتنة، وهم أصحاب شركة أيبكو لتوزيع المحروقات).
- إيني (شركة إيطالية عضو في التحالف الذي وقّعت معه الدولة اللبنانية عقداً لاستخراج الغاز)، قطر بتروليوم (الشركة الوطنية القطرية للنفط).
- توتال (عضو في التحالف العامل على استخراج الغاز في لبنان)، هوغ (Hoegh) وكيلها شركة pesco لصاحبها نديم صيقلي ودبانة غروب.
- بتروناس (شركة ماليزية متخصصة بالتغويز، وكيلها شركة يونيغاز لصاحبها محمود صيداني).
كذلك تبين أن أربعة من هذه الائتلافات قدمت عروضاً لتنفيذ المحطات الثلاث (يسمح دفتر الشروط باختيار عروض مستقلة لكل محطة)، وهي: توتال، قطر بتروليوم (تردد أن عرضها مشروط بالحصول على عقد تنفيذ المحطات كلها)، بي دبليو، وإكسيليريت.