لم تكن أزمات فيروس كورونا حكراً على الجانب الصحي والطبي فقط، بل طالت تأثيراته جوانب أخرى كثيرة لا تقل أهمية عما هو الوضع في المستشفيات والمراكز الصحية. تمدّد الفيروس في البلاد، فعطّل جملة من الأمور، منها بشكلٍ خاص متابعة الدراسة، فكان كثيرون عرضة لخسارة سنواتهم المدرسية والجامعية، إما بسبب المشاكل التي رافقت التعليم عن بعد أو لعدم قدرتهم على استكمال متطلبات الدراسة. ومن هؤلاء، طلاب كليات الصحة في الجامعة اللبنانية على وجه الخصوص الذين يعانون من صعوبات في إتمام الشق التدريبي من برامجهم التعليمية. ولئن تمكن هؤلاء من متابعة دروسهم «أونلاين»، إلا أن ذلك لا يعني أن «الحال ماشي»، تقول رشا، طالبة التمريض التي تتابع سنتها الأخيرة في كلية الصحة.

«علّقت» الشابة مشاريع السفر. لم تعد قادرة على صرف المزيد من الوقت والمال على تحضير أوراقها، لسببٍ واحدٍ فقط، وهو «أنني لا أستطيع أن أتخرج من دون أن أنجز ساعات التدريب المطلوب من ضمن البرنامج». فهذا التدريب، بالنسبة إلى رولا وغيرها من الطلاب، هو بطاقة العبور نحو التخرّج... ومزاولة المهنة.
ليست رشا وحدها من يعاني. كثيرات وكثيرون مثلها وجدوا أنفسهم أمام مصير مجهول، ففي وقت يتابعون فيه دروسهم النظرية «أونلاين»، ينقطعون من ناحية أخرى عن الدروس التطبيقية التي تستوجب الحضور الإلزامي. أضف إلى ذلك أن بعض الاختصاصات، ومنها التمريض بشكلٍ خاص، تعتمد على التدريب بشكلٍ أساسي. وهذه دونها مشكلة كبيرة في ظل أزمة كورونا، ولا سيما أن أماكن التدريب هي المراكز الصحية والمستشفيات. وما يزيد الطين بلّة أن معظم الطلاب لم يتلقوا لقاحاتهم، ولا يعرفون أساساً متى تصرف لهم هذه اللقاحات ليستأنفوا حياتهم.
1700 ساعة تدريب هي المدة المطلوب إنجازها من طلاب التمريض خلال ثلاث سنواتٍ من الدراسة في الجامعة. ما يحصل اليوم، بعد عامٍ ونصف عام من الانقطاع عن مراكز التدريب، هو أن معظم الطلاب باتوا «مكسورين» في الجزء التطبيقي من دراستهم، ما ينعكس تأخيراً في تخرجهم من دون أن تتخذ أي جامعة خطوات «بديلة» لتدارك الأزمة. ومن تبعات هذا التأخير أن «من كان يفكّر بالفرص برّا، تراجعت آماله»، تقول رشا، مشيرة إلى أنه «كانت أمامي فرصة، وقدمت وراقي على مستشفى برا، لكن هلق وقّفت بانتظار مصير الامتحانات والتدريب».

اختصاص التمريض تطبيقي جداً ولا يمكن الاستغناء عن التدريب أو اكتساب مهارات من دونه


صحيح أنها ليست أزمة طالبات وطلاب التمريض وحدهم، إلا أنه في هذا الاختصاص بالذات، لا خيارات بديلة، على عكس اختصاصات أخرى، كطلاب كلية التربية الذين أجروا تدريباتهم «أونلاين»، أو حتى طلاب العلاقات العامة في كلية الإعلام والتوثيق حيث استبدل معظم الأساتذة مادة التدريب لطلابهم بمشاريع تطبيقية. هذا الأمر «يستحيل في كليات الصحة»، تقول رئيسة قسم التمريض في كلية الصحة ــــ الفرع السادس في الجامعة اللبنانية، فداء بو عز الدين، مؤكدة أن «اختصاص التمريض تطبيقي جداً بحيث لا يمكن الاستغناء عن التدريب ولا اكتساب مهارات من دونه». ولأنه لا إمكانية لخفض ساعات التدريب لجميع الطلاب، إلا أن عمادة كلية الصحة استثنت هذا العام طلاب السنة الأولى، فسمحت بتخفيض 20% من ساعات التدريب، على أن تعوّض هذه النسبة بمختبرات التمريض في الجامعة، بحسب بو عز الدين.
ثمة مشاكل أخرى تعتري التدريب. فالضغط على المستشفيات بدّل الأولويات، حيث لم يعد للمتدرب ترف الوقت ولا المستلزمات الطبية الكافية للتجربة والتطبيق أو للمحاولة والتعلم. أما توزيع الطلاب على عدد كبير من المستشفيات، فلن يكون بالأمر السهل، وخصوصاً أن «الفرز» سيجعل بعض الطلاب بعيدين عن مكان إقامتهم، وهو ما سيزيد على كاهل هؤلاء مصاريف التنقلات التي باتت تؤخذ في الحسبان اليوم. أما اللقاح، فحدث ولا حرج، ولئن كانت الجامعة اللبنانية على سبيل المثال أول من وعدت طلابها بتأمينه، إلا أنه حتى الآن «لا حس ولا خبر».
لا تختلف حال طلاب الطب عن حال الممرضين، فهؤلاء أيضاً لم يبدأوا تدريباتهم بعد، وكذلك الحال بالنسبة إلى طلاب العلاج الفيزيائي والعلاج الانشغالي الذين ما زالوا ينتظرون أدوارهم لتجنّب الاكتظاظ في المراكز. وفي هذا السياق، تشير سارة، وهي طالبة علاج فيزيائي، إلى أن «مستشفيات محدّدة تستقبلنا، لذلك ننتظر الدور وإن كان الموضوع أسهل من التمريض، لأننا يمكن أن نتدرب في مراكز صحية أو رياضية وليس فقط في مستشفيات».
1700 ساعة لم ينه منها طلاب السنة الأولى في كليات الصحة ساعة واحدة، فيما البقية في السنوات الثانية والثالثة علّقوا ما بقي لهم من ساعات، كما تخرّجهم، إما بانتظار أخذ اللقاح أو بانتظار انتهاء أزمة فيروس كورونا. فأيّهما يأتي قبل الآخر؟ هذا هو سؤال الطلاب اليوم، الذين لا يجدون مقابله أي جواب.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا