لم يعد في البلد سبب مادي أو مهني يغري المعلمين الكفوئين للبقاء في مهنتهم. الأقلية منهم التي كانت تملك الدافعية الذاتية لتطوير مهاراتها التعليمية والتربوية لا تتردد في اقتناص فرصة عمل في الخارج. مع التحول إلى التعليم عن بعد في السنتين الماضيتين، ثمة معلمون عكفوا على تحسين قدراتهم في تكنولوجيا التعليم ليتعاقدوا «أونلاين» مع مدارس في دول عربية. اليوم، يجري تداول عشرات الـ«لينكات» التي تحاول إغراء المعلمين بوظيفة عن بعد مريحة ومربحة وتوفر لهم الدخل بالدولار، ومرونة المكان، وحرية اختيار طبيعة العمل وعدد ساعاته والأجر الملائم.

طلبات الاستيداع والإجازات المفتوحة في التعليم الرسمي والاستقالات من التعليم الخاص تضاعفت في الآونة الأخيرة «بحثاً عن بصيص أمل يخرجنا من الجحيم»، على ما تقول أستاذة في التعليم الثانوي الرسمي، مشيرة إلى أن «السياسات التربوية قتلت أي طموح لدينا، باعتبار أن أفق الدراسات العليا مسدود نتيجة المحاصصات في الدكتوراه في الجامعة اللبنانية، وأن الكفاية المهنية ليست شرطاً للترقي وتولّي مهمات تربوية، سواء في وزارة التربية أو في المركز التربوي للبحوث والإنماء، وإذا حصل أن وصل أحدهم إلى منصب بكفاءته، فيكون ذلك استثناء وليس القاعدة»، لافتة الى أن هناك «معلمين مقتنعين بأنّ ما يفعلونه على مدى سنوات هو التعليم الصحيح، أو هم بالحد الأدنى مقتنعون بأنهم يقومون بواجباتهم، وهؤلاء يركنون إلى الدعة والكسل، ولا سيما إذا كانوا محميين سياسياً وطائفياً. أما من يتميّز فيشعر بأنّه غريب بين زملائه. في المدارس الرسمية مبدعون في صفوفهم لم يحظوا بفرصة تحفيزهم معنوياً ومادياً. التدرج الطبيعي للراتب مرتبط فحسب بسنوات الخدمة وليس بالطاقات الإبداعية».
الرئيس الأسبق للمركز التربوي، نمر فريحة، يرى أن المعلم اليوم «لا يقوم بالدور المتوقع منه لأسباب ذاتية وموضوعية، إذ إنه مسؤول بالدرجة الأولى عن تطوير أدائه، فيما المسؤولية الأخرى تقع على النظام التربوي ومن يوظفه ومن ثم يدربه». ويلفت فريحة الى أن «استجلاب التنفيعات السياسية والشخصية إلى دورات التدريب أفسدها، إذ إن قسماً من المدربين غير أكفياء، والدورات التدريبية لا تعطي نتيجة، والمعلم الذي يتابع تدريباً في موضوع ما سرعان ما يستحضر معلوماته وطريقته التقليدية في اللحظة الأولى التي يعود فيها إلى صفه، وليس هناك من يقيس أثر التدريب أو مدى استفادة المعلم من الدورة لتغيير طرائقه في التعليم».
يشدّد قريحة على أن «أسوأ معلم هو من يأتي إلى التعليم لأنّه لم يعد لديه حل ثانٍ أو يختار المهنة، وعينه على منصب إداري مثلاً». ويشدد على أن «المعركة الأولى في صناعة معلم جيّد هي استقطاب كليات التربية في الجامعات اللبنانية لنخبة من الطلاب يتمتعون بصفة أساسية هي حب التعلم المستمر، لا أن تكون هذه الكليات خياراً أخيراً يلجأ إليه الطلاب».

معلمون طوّروا مهاراتهم في تكنولوجيا التعليم ليحظوا بفرصة عمل «أونلاين»


دور كلية التربية في الجامعة اللبنانية في سبعينيات القرن الماضي لم يعد هو نفسه اليوم، كما يقول الباحث في التربية والفنون نعمه نعمه. فالطالب «لم يعد يدخل الكلية موظفاً بعد خضوعه لمباراة في مجلس الخدمة المدنية حيث يأخذ منحة تتوقف في حال رسوبه، ويخضع لتأهيل يضمن ولوجه إلى الوظيفة العامة. هذا الدور تعطل مع بداية الحرب الأهلية، ولم يعد هناك اليوم أي امتياز وأية مغريات تشجع الطلاب على دخول الكلية. وإذا لم يكن المعلم مهدداً بخسارة وظيفته فلماذا سيبذل جهداً أو تكون لديه الدافعية لتطوير إمكاناته؟».
وفق نعمه، معلومات معظم المعلمين التكنولوجية هي تقنية عامة وغير مصنفة في مجال تكنولوجيا التعليم، والطرائق البصرية في التعليم ومحاكاة الذكاءات المتعددة للتلامذة لا تتخطى عتبة عدد محدود جداً من المدارس الخاصة. ويشير الى أن «بدعة التعاقد مثلاً لا تنسجم مع الفلسفات التربوية المعاصرة التي تدعو إلى الديناميكية في التعليم وأهمية أن يتابع المعلم النمو الفكري والعاطفي والاجتماعي للتلميذ». ويستدرك: «طبعاً هناك متعاقد ناجح، لكن التوظيف سياسي»، مبدياً اقتناعه بأن من يبقى من المتعاقدين في هذا الظرف الوظيفي غير المستقر «إما لا يملك خيارات أخرى أو أنه في مرحلة انتظار».
المفارقة أن يكون تطوير العمل والقدرات الذاتية للمعلمين مرتبطاً ببعض الحالات الاستثنائية التي تعود عليهم بمنفعة مادية. خوف المعلمين المتعاقدين مثلاً من خسارة ساعاتهم قد يجعلهم ميالين أكثر إلى تحسين أدائهم. إلى ذلك، يطوّر أساتذة ثانويون إمكاناتهم للفت نظر المدارس الخاصة التي لديها معايير تقييم خاصة بها، «وإن كان ذلك لا يلغي أن هناك أساتذة ثانويين لا يزالون يشعرون بالانتماء إلى هذا القطاع ويصبّون جهودهم في محاولة تطويره، ويعزفون عن العمل في المدارس الخاصة والتعليم الخصوصي»، بحسب الأستاذة الثانوية.
رغم تكليفها الدولة أعباء مالية باهظة، لم تجد إحدى الدراسات مع البنك الدولي التي تقترح آلية لتقييم المعلم طريقها إلى التنفيذ في وزارة التربية والمركز التربوي، علماً بأن الاقتراح يضمن تعدد المصادر وتنوعها إن لناحية الجهات المعنية بالتقييم فنياً (منسق المادة) وإدارياً (مدير المدرسة) والطلاب، ولا يقتصر على حضور المعلم في الصف بل على دراسة ملفه وتحليل امتحاناته على غرار ما يحصل في دول كثيرة تضع أنظمة تقويم سنوية أو دورية كل 4 سنوات.
ليس في لبنان أي آلية أو معايير لتقييم أداء المعلمين في التعليم الرسمي، بحسب الأستاذة في كلية التربية غادة جوني. «هنا مباراة مجلس الخدمة المدنية التي يخضع لها المعلم لدى دخوله الوظيفة العامة هي الفلتر الأول والأخير. لا شيء بعد ذلك يضبط كفاءته المهنية. حتى المباراة نفسها تقيس المعارف ولا تقيس المهارات في ما يخص قدرته على نقل المعلومات ومدى تمكنه من لغة التعليم. الدورة الإعدادية في كلية التربية التي يجتازها الأساتذة بعد المباراة يدخلونها كموظفين في وزارة التربية، ولا تتجاوز نسبة الرسوب فيها 0.5 في المئة لأن أحداً لا يريد أن يسقط متدرباً يحلم بوظيفة دولة مهما كانت قدراته. أما زيارات التفتيش التربوي للمعلمين في الصفوف فمتباعدة نظراً إلى قلة عدد أعضاء الجهاز الرقابي، والمرشدون التربويون التابعون لمديرية الإرشاد والتوجيه، إن حضروا، فإن تقاريرهم ليست ملزمة لا للمدير ولا للمعلم، وزياراتهم الميدانية فصلية لا تتجاوز الثلاث في العام الدراسي».
أما دورات المركز التربوي، فلا يختارها المعلم نفسه، كما تقول جوني، وفقاً لحاجاته المهنية والأكاديمية، بل يختارها المدير لاعتبارات قد تتعلق بحسن سير العمل الإداري وضبط الدوام في المدرسة «أو لأن الأستاذ موجّعلو راسو وبدّو يخلص منّو». فالمتعاقد مثلاً يشارك في الدورات التي تنظّم خارج دوامه كي لا يخسر ساعة التعليم، باعتبار أنه لا يتقاضى بدل ساعة التدريب.
في التعليم عن بعد، المعلمون، بحسب جوني، كانوا متروكين. كثيرون تحدّوا الظروف وكان أداؤهم فعالاً، وآخرون لم يكلّفوا أنفسهم أيّ عناء، «فهل كان هناك تدخّل من وزارة التربية لتشجيع المعلمين المندفعين؟ وهل جرى تمكينهم لوجستياً ومادياً ومهاراتياً في المقاربات الجديدة في التعليم؟ الحافز الوحيد الذي يمكن أن يحصل عليه معلم هو تنويه المدير العام بناءً على طلب مدير المدرسة، علماً بأن هناك مديرين كثراً ليس لديهم علم بوجود تنويه كهذا».