جرت العادة، مع انطلاقة شهر التوعية على سرطان الثدي، أن تُنظّم الحملات والنشاطات لتوعية السيدات على أهمية الكشف المبكر عن المرض. تصرّف يبدو أنه بات ترفاً في بلد يفتقد فيه المرضى إلى أدويتهم، فنزلوا مجدداً إلى الشارع للمطالبة بما يطالبون به منذ بدء الأزمة: تأمين الدواء.

«ما بدنا أضوية، بدنا أدوية» عنوان الصرخة التي أطلقتها جمعية «بربارة نصار لدعم مرضى السرطان» للتضامن مع مريضات سرطان الثدي مع بدء شهر تشرين الأول، شهر التوعية حول سرطان الثدي. فرادى وجماعات سار المتظاهرون/ات من «تمثال المغترب» نحو «ساحة الشهداء»، حاملين لافتات تطالب بالاستحصال على أدوية السرطان، ووضعها ضمن أولويات الجهات المعنية، إلى جانب لافتات أخرى (دُوّنت باللغات العربية والفرنسية والإنكليزية)، تعلن رفضها لانتظار مريض السرطان الموت والعدّ العكسي لانتهاء حياته.

واقع المرضى
في شهر تشرين الأول أو «الشهر الوردي» كما يُطلق عليه، عادة ما تنبري المؤسسات الحكومية إلى إضاءة المباني باللون الزهري تضامناً مع مريضات سرطان الثدي، لكن هذه المرة، تواجه المصابات بسرطان الثدي الموت، بسبب تأخر أخذهنّ لجرعات الدواء المطلوب لإنقاذ حياتهن. تحت تمثال «الشهداء» وقف رئيس جمعية «بربارة نصار» هاني نصار، ليعلن وفاة العديد من مرضى السرطان، الذين لم يجدوا دواءهم، وعن حالات أخرى موجودة في بيوتها «عم تصرخ من الوجع». تحدّث نصار عن المصابات بسرطان الثدي اللاتي يستطعن النجاة والشفاء من المرض، لكن مع انقطاع الأدوية انتقلن إلى الدرجة الرابعة ومواجهة الموت. كذلك تناول كلفة العلاج في المستشفيات، وكيف بات المريض يفضّل تقليص عددها رغم ضرورتها بسبب كلفتها الباهظة (كلّ جلسة تُكلف تقريباً 20 مليون ليرة).
إلى جانب نصار، وقف نقيب الصيادلة جو سلوم، واصفاً ما يحدث بـ«القطبة الخَفية» التي تحاول ترك الأمور على ما هي عليه، أي فقدان الأدوية ودعم السوق السوداء وترك مريض السرطان يعاني. واستعاد سلوم تحرّكاً قام به مع الجمعية أمام القصر الجمهوري، لتوفير 25 مليون دولار لأدوية السرطان، لأن التغطية الحالية لهذه الأدوية التي تصل إلى 7 ملايين دولار شهرياً لا تكفي جميع المرضى. وشدّد سلوم على ضرورة تفعيل نظام التتبّع من قبل «وزارة الصحة» و«نقابة الصيادلة» والمستشفيات، لمنع سرقة الأدوية والاستيلاء عليها، والمسارعة إلى قوننة هذا النظام، داعياً إلى توزيع دواء السرطان مجاناً على الجميع من دون استثناء، حتى لو لم يكن المريض يستفيد من تقديمات «وزارة الصحة»، ويتبع لجهة ضامنة كـ«الضمان الاجتماعي» أو «تعاونية موظفي الدولة».

ماذا يفعل الوزير؟
بدوره طبيب الأورام السرطانية فادي نصر، تحدّث عن نقص الأدوية التي لا تكفي لجميع المرضى، وسرد جزءاً من معاناة الطبيب الذي بات مضطراً في الوضع الحالي إلى الاختيار بين المرضى، لإعطاء الأدوية للبعض منهم. ليرتفع الصوت أكثر مع رائف رضا، رئيس «التجمع الطبي الاجتماعي» وممثل «الرابطة الطبية الأوروبية الشرق أوسطية»، الذي حمّل وزير الصحة المسؤولية، واصفاً ما يحصل بالجريمة، والتي تحتاج إلى وزير فاعل وناجح لمنع مريض السرطان من انتظار لحظات موته.
في التظاهرة أيضاً، سالت دموع المعتصمين، لدى سماع شهادة «فاديا» (25 عاماً)، إحدى المصابات بسرطان الثدي، والتي قالت إن علاجها توقف منذ خمسة أشهر بسبب انقطاع الدواء، وتوزيعه على «المحسوبيات». الشابة رفضت انتظار الموت «ما فينا نضلّ ساكتين وعم نلطم ع حالنا ونتوجع »، وتوجهت إلى المسؤولين الذين «خسروا إنسانيتهم» بالقول: «أنا مش رح موت انتو رح تموتو».
وفي ختام التظاهرة، علت الأصوات بين بعض المشاركات المصابات أيضاً بسرطان الثدي، وبين النائب أديب عبد المسيح الذي حضر إلى جانب النائبة غادة أيوب، إذ سرعان ما تطوّر هذا الغضب ليتحوّل إلى حالة رفض لكل الوعود التي ينطق بها من هم في السلطة، بعدما وعد عبد المسيح بنقل الصرخة إلى مجلس النواب، فاعترض البعض على المسار الذي سيتخذه أي مرسوم قانون يخصّ مرضى السرطان: «ما عنا وقت» تقاطع إحداهنّ النائب اللبناني معترضة على كلامه، وتفهمه بأن ليس لدى المرضى ترف الوقت!