رحلة موسيقية إلى مناهل التراث الغنائي في الأردن. والنتيجة اسطوانة تعيد اكتشاف الجذور وتحفظها من الاندثار


أحمد الزعتري
هنا لا ظلال يحتمي بها أحد، الشمس تسقط مباشرة على قافلة الجمال في صحراء فارعة، «الحادي» ينصت إلى وقع أخفاف الجمال على الرمال، ويخرّب الصمت الحار بالحداء. هؤلاء هم: «خلف البخيت» والحاجة «عيدة» و«ضيف الله بلابشة» نجوم أسطوانة الموسيقي الأردني طارق الناصر (1969) الجديدة «يا بو رديِّن» التي تحتفي بالموسيقى الإثنية الأردنية.
مع طرح «يا بو رديِّن» في الأسواق، نتساءل بدايةً عن الفرق بين الفولكلور والموسيقى الإثنية. فالموسيقى الفولكلورية هي الموسيقى المتناقلة عبر الأجيال يعاد توزيعها وإنتاجها، بينما الموسيقى الإثنية تخبو باختفاء البيئة الأصلية لها. بدأت القصة في شتاء 1993، حين التقى الموسيقيّ الأردني الشاب حنّا مينه في موقع تصوير مسلسل «نهاية رجل شجاع» في طرطوس. هكذا، دلّه الروائي السوري على مؤرخ مسنّ اسمه جبرائيل سعادة يمتلك تسجيلاً لبحّارة يقومون بغناء أهزوجة شعبية ساحلية بشكل عفوي: «يا محلى الفسحة» ستنال شهرةً واسعةً من خلال المسلسل. هكذا، توالت أعمال الناصر التصويرية لعدد من المسلسلات التاريخية والمعاصرة أهمها «إخوة التراب»، «الجوارح»، «على طول الأيام»، «رسائل الحب والحرب»، وأخيراً «صراع على الرمال» و«ليس سراباً». ثم اشتعلت فكرة توثيق فولكلور المنطقة، ليبدأ الناصر رحلة بحث في الأغوار وسهل حوران والبتراء ووادي رم (الذي يسمّي فرقته على اسمه)، باحثاً عن مؤدّي أنواع الغناء المختلفة من شروقي وحداء وهجيني وجوفية وسامر ليقتنص من 300 إلى 400 قطعة، ويختار منها 10 مقطوعات في أسطوانته الجديدة. مراحل البحث لم تكن سهلة ولم تخلُ من المفارقات التي ربما ستدهش ابن المدينة، ففي رحلة إلى وادي رم، رفض ناصر مؤدي الحداء ترك قطيع غنمه ليسجّل مقطوعة إلا بعدما تبرعت عضو الفرقة المغنّية سحر خليفة برعايته عنه.
بدأ عمل الناصر بعد تسجيل المقطوعات، فقام بتركيب أصوات لخلفيّة الغناء والآلات الأساسية فيه (الربابة، المجوز، السمسمية، الإيقاع). في المقطوعة الأولى (شروقي) حيث الغناء المصاحب للربابة الذي يُعدّ ذروة الجلسات البدوية في الخيمة الرئيسية، يختلط الصوت النافر للمؤدي مع الربابة وأصوات الكيبورد والكمنجات.
وفي المقطوعة الخامسة المنذورة لنوعي غناء وادي رم (الحداء والطويرق) وهما نوعان مرتبطان بالسير مع الجمال في الصحراء، نكتشف بعداً آخر لهذا النوع، (قد يكون أكثر استساغة للأذن العصرية). إذ إنّ صوت المؤدّيَين أجش وطريقة غنائهما بدائية، أي ليس هناك إلّا لازمة واحدة متكررة، لكن نلاحظ ذكاءً موسيقياً في أداء «عيدة»، فهي تعالج كسر وزن الشعر بالصوت وهذا ذكاء وحس نادر في موسيقى من هذا النوع.
أما الشعر، فيدور في معظمه حول المسير وإحساس السائر بالأمكنة والناس بابتعادهم وقربهم، بل إنّ المؤدي يسأل صبية في مقطع «انت من هلي المشاريقِ ولا من الضفة الغربية؟» (من الأردن أو فلسطين؟). ويظهر دور الناصر واضحاً في مقدمة هذه المقطوعة عبر ترديد الصوت في البداية مع أصوات إلكترونية تمنح الصوت المدى الذي يفتقده.
وفي مقطوعة الأسطوانة «يا بو ردين»، وهي الدبكة المنتشرة في العراق والشام، إضافة إلى البادية الأردنية، لم يكن صعباً تركيب إيقاع البلوز عليها. ما يدلّ ـ حسب الناصر ـ على أصالة هذا النوع الموسيقي حتى يجري تطويعه على إيقاع موسيقى حديثة نسبياً مثل البلوز. فالدبكة ربما لا تقترب من الأداء الأفريقي للبلوز أو حتى أصلها في القناوة التي انتشرت في أواسط أفريقيا كموسيقى صوفية، إلا أنّ نَفَساً أفريقياً يمكن ملاحظته في هذه الدبكة وغيرها التي تنتشر في الأغوار.
رحلة الناصر جديرة بالاهتمام وميزة تسجيل هذه المقطوعات تكمن في أنّه يحفظ العيوب والهفوات التي تمثّل جزءاً من الموسيقى الإثنية نفسها، إضافة إلى أنّها دراسة ميدانية لأصول الموسيقى قلّما جرى الخوض فيها.