فنون بصرية | ستيف سابيلا ينتصر على المنفى

  • 0

بيت لحم - في الرابع من نيسان (أبريل)، أطلق ستيف سابيلا (١٩٧٥ ــ القدس)، خمسة لقاءات وعروض في القدس وبيت لحم ورام الله وحيفا، اختتمها أخيراً في غزة. بالتعاون وبدعم «المركز الألماني» و«مؤسسة القطان» و«جمعية الثقافة العربية»، عُرض فيلم «في غرفة مظلمة مع ستيف سابيلا» (15 د) للمخرجة نادية كعبلان، فيما قدّم الفنان الفلسطيني محاضرة بعنوان «تفكيك الشيفرة البصرية»، متحدثاً عن رحلته الفنية.


كما أطلق عملاً دراسياً (كتاب، مونوغراف) للكاتب أوبيرتوس فون آميلونغسون، قدمه الفنان والباحث كمال بلاطة (صدر عن «أكاديمية الفنون ببرلين» و«هاتييه كانتس»)، يوثق ويشرح أعمال سابيلا البصرية منذ ١٩٩٧ لغاية ٢٠١٤. يستعرض «في غرفة مظلمة مع ستيف سابيلا» مشوار سابيلا، في مشروعه «ثمانية وثلاثون يوماً من إعادة التجميع» (2014). تتبع المخرجة كعبلان رحلة الفنان من برلين إلى القدس، وإعادة البحث وتجميع طلاء الدهان من البيوت القديمة والجدران من شوارع القدس العتيقة. تدخلات الفنان في البيئة الحقيقية وتوظيفها في عمل فني يخرجانه من سياقه الزمني المعاصر ليعود بنا إلى أزمنة تاريخية نشاهدها عبر كاميرا المخرجة. تأخذنا معها بعد ذلك إلى استوديو الفنان، لاستكشاف التقنيات والتكنيك الذي يستعمله في طرق المعالجة، وكذلك فهم أبعاد المشروع من الناحية الإنسانية والسياسية، والعمل على استعادة الصورة والذاكرة الفلسطينية الخاصة من ممتلكات وبيوت وأوعية وحياة بطباعتها على طلاء الدهان الهش ومعالجته بصورة معاصرة وقابلة للحياة، وخلق هذا المزيج بين الحاضر والماضي بأسلوب الجيوفيزياء. في عام ٢٠٠٩، عاد ستيف سابيلا من لندن ليستأجر بيتاً فلسطينياً في عين كارم من مستوطن لمدة ٣٨ يوماً. صوّر تفاصيل المنزل كلها، كعملية بحث عن تاريخ وأصل هذا البيت. عام ٢٠١٣، عاد إلى القدس محقّقاً بصرياً مستخدماً طلاء الدهان وقشوره من البيوت الفلسطينية، ليقوم بطباعة الصور من بيت عين كارم بالأبيض والأسود على قشور الدهان الملونة من بيوت القدس، مضيفاً إليها القيمة التاريخية والفنية الجديدة. في مشروعه هذا، يتحول الوهم إلى حقيقة، فهل نصدق كل ما نراه؟ من أين تأتي الحقيقة؟ ومن أين تأتي الصورة؟ مرحلة بحث طويلة في مشوار سابيلا عن المكان والوعي، وأثره على الذات كمحاولة لإيجاد العلاقة بينهما في ظل التشققات التي أصابتها عبر الزمن. يتضح ذلك في الفترة الممتدة من ١٩٩٤ حتى ٢٠٠٧، حيث قدم 11 معرضاً فردياً في فلسطين. وفي رحلته منذ عام ٢٠٠٧ لغاية عام ٢٠١٤، فتح سابيلا

عام ٢٠١٣، عاد إلى
القدس محققاً بصرياً مستخدماً طلاء الدهان وقشوره من
البيوت الفلسطينية
أسئلة الصورة ببعديها النظري والتقني عبر البحث والمقارنة والمقاربة. كشف ما تحت الغبار من حياة، يرتبط بمعظمها بالمنفى والمكان والخيال متمثلة في أعماله «مخرج» (2006)، و«تحولات» (2012)، و«ثمانية وثلاثون يوماً من إعادة التجميع» (٢٠١٤). تسرد هذه الأعمال ملامح حياة شخصية تبدأ بالانطلاق والخروج من حصار المدينة المثقلة بالتفاصيل، ليضعنا في صورة أهم مرحلة وهي التحولات بين المكان الأم والمكان الذي يتنقل ويقيم فيه. لا يعترف سابيلا بالنص المكتوب للعمل الفني. يرى أن استعمال النص في أعمال تصويرية يعكس حالة من الضعف البصري. في عمله التجهيزي «استقلال»، يفتح السؤال على مصراعيه حول مفهوم الثنائيات وإعادة التفكير في الفن وفلسفة الصورة والتصوير. يبحث عن مكانه الفضائي والخاص، ليشعرك العمل بأنك في مكانٍ آخر لا علاقة له بالأرض. ربما يبتعد عن الصراعات والنزاعات، ويشكل وعياً خارجاً عن وصف الصورة، يسعى من خلاله إلى بناء عالم افتراضي للمشاهد ولنفسه. الشاشات الست توحي بثنائية العرض وتنقل الصورة نفسها على وجهَي الشاشة، كنوع من الإيحاء لتكرار الصورة التي لا تنفك عن التشابه، لا يفصلنا عنها سوى الزمن والوعي الذي نقطعه من أجل الوصول إلى الجهة الأخرى من الشاشة. الصورة عند الفنان هي نقطة انطلاق في الخيال، وهو يمتلك رغبة مماثلة في التشابه ويحاول فتح المساحة بينه وبين المتفرج، ومسألة البحث في الذات ما هي إلا محاولة التفكير الثنائي مع المتفرج والولوج في ذهنه وعقله الباطن. يذكرنا «استقلال» بأننا نمتلك مكتباتنا البصرية الخاصة في العقل الباطن، وقد لا يوجد مفتاح مشترك للغتنا البصرية. في الفترة الأخيرة، يقدم الفنان الفلسطيني مشروعه بلغة بصرية معاصرة، ويسابق الزمن في تطوير أدواته ولغته الفنية التي تنقذ نفسها من سطوة الاحتلال والتوقف تحت رحمة الحدود والمكان. ينتصر على المحتلّ بالتحرر النفسي والفكري من مفهوم الاحتلال ليمارس عمله من منطقة أوسع، ومفهوم أشمل، لكنه يقدم تفاصيل دقيقة تسهم في فهم رؤيته الفلسفية للمنفى الذي أصبح ماضياً بالنسبة إليه.

0 تعليق

التعليقات