لقد اغتنمنا مناسبة دعوة السينمائية الفلسطينية ساهرة درباس لعرض أفلامها الوثائقية وفيلمها الروائي الأول، والأفلام التي أنتجتها وأشرفت على إخراجها منها 5x5 في سبع مدن إيطالية منها روما وميلانو، ونابولي، وتورنتو، لاستعراض جوانب من نشاطها الدؤوب في توثيق الذاكرة الشفهية الفلسطينية سينمائياً وتخريج جيل جديد من المخرجات الفلسطينيات.


المخرجة والكاتبة ساهرة درباس، كتبت تقول: «ولِدت وترعرعت قرب شاطئ بحر حيفا، ودرست في مدارسها وتخرجت في معهد التخنيون في حيفا مهندسة كيمياء تطبيقية». لكن حب الوطن المغتصب ومحاولة العدو محوه من الذاكرة الفلسطينية، جعلاها تولي اهتمامها بالتاريخ الشفهي، فتحولت أولاً إلى الكتابة وأصدرت ثلاثة مؤلفات ضمن سلسلة «وطن عصي على النسيان» عن ثلاث بلدات فلسطينية هي طيرة حيفا، والبروة، وسلمى، تمكن العدو من اقتلاع جذور أبنيتها العتيقة. لكن الذاكرة الفلسطينية ـــ الفردية والجمعية ــــ استعصت على أدوات التدمير والهدم التي وظفها، فأهلها ما زالوا يذكرون كل حجر ومبنى، بل إنهم يتوجهون إليها لأخذ حفنة تراب من أرضها الطيبة، يقدمونها لأحفادهم ولأقربائهم في الوطن المغتصب وفي المنفى: الأردن وسوريا، يحتفظون به في بيوتهم ويوصون برش حفنة منها على قبورهم في المنفى. وهو ما وثقته المبدعة في فيلم «حفنة تراب» (52 د. ـــ 2008).
في عام 1992، انتقلت ساهرة للإقامة في القدس المحتلة وعملت مع تلفزيونات أجنبية منتجةً ومترجمةً، حتى عام 2005 عندما اكتسبت خبرة في مجال إبداعها الجديد. قررت عندها تحويل التاريخ الشفوي إلى مشاهد سينمائية تتجاوز الرواية المحلية لتتحول إلى عروض تستحيل عيناً، فيرى عبرها معنى الوطن فيزداد تمسكه به. أول هذه العروض المرئية، المؤثرة حقاً، الفيلم الوثائقي «غريبة في بيتي» (37 د ــ 2007) الذي يظهر كبرياء المظلوم والضحية وهو يواجه الجلاد وسارق بيته وحقه. في الذكرى الأربعين للنكبة الأولى، رافقت المخرجة ثماني عائلات مقدسية في بحثها عن بيوتها التي طردها منها العدو عام 1948. وليد عسلي، ونهلة عسلي، وويلهلمين، وأنطوان خوري، وجورج برامكي، وطارق ونجية بركات، وأحمد جريدي، وعيسى حبش، ووليد العسلي... مقدسيون طردهم العدو من بيوتهم فور احتلالها، انطلقوا باحثين عن منازلهم المغتصبة. استقلوا سياراتهم بحثاً عنها بعد غياب إجباري وبعدما غيّر العدو معالم مدينة القدس الغربية. هم لم ينسوا يوماً الطريق إليها، رغم مرور نحو 60 عاماً على طردهم منها. هذا بيته تسكنه عجوز ألمانية، قدمت إلى فلسطين مستوطِنة غازية، وآخر يقطنه فلسطيني يهودي، ربما كان جاراً لصاحب البيت، وثالث احتلته عائلة من أوروبا الشرقية. يتجولون في كل منزل، ويصفونه بأدق التفاصيل. هذا «اللامبدير» كان هنا، وهذا كان الممر، وهنا المطبخ، وفي الخارج، هناك أشجار الحديقة وياسمينها وشجر التوت والغرافوت. ثمة باب يوصل إلى شقة أخرى سكنته الجدة أو الخالة أو العمة. يدخلون بيوتهم المغتصبة متسلحين بكبريائهم، يتجولون في زوايا بيوتهم. يلتفت أحدهم إلى المحتل قائلاً: «هذا بيتي وأريد العودة إليه. أنتم أخذتم تعويضات عن معاناتكم ومعاناة أقربائكم؛ أنا لا أريد تعويضاً، أريد حقي وبيتي». إحداهن، عراقية يهودية، تقول: «ليتني لم أعش لهذا اليوم. ليتني بقيت في بلادي!». أما عيسى حبش، فيتذكر تفاصيل بيته وحتى رقم الهاتف حينذاك وهو 3625.
لم يستجد أحد منهم حقه، بل ترى الضحية منتصرةً، والمغتصب مهزوماً، مضطرباً يصطدم بالحقيقة التي حاول ــ هو وغيره ـــ إخفاءها لعقود من الزمن طوال فترة تغييب أصحاب الحق وهي أنهم اغتصبوا حقوق أهل البلاد التي أتوا إليها مهاجرين، يسعون لبناء سعادتهم على حطام آخرين. لذا ترى بعض الغزاة يرفضون استقبال أصحاب الحق. لكن الحقيقة تفقأ عين المحتل. على مداخل البيوت أسماء أصحابها وسنة تشييدها منقوشة، «AK 1938/بيت أنطون خوري»، وبيت حنا حنا (H H)، وفيلا «هارون الرشيد» العائدة لأصحابها من بيت البشارات، وبيت محمود الدجاني وبيوت آل سلامة، وبيت بركات، وتلك المدرسة الرشيدية، وهذا شارع الزهراء وذاك شارع البقعة...
أحمد جريدي ووجدان جريدي يطلان على موقع «حارة المغاربة» الواقعة قرب «حائط البراق» أو «حائط المبكى» من علٍ، وقد سوّاها العدو بالأرض فور احتلاله شرقي أم المدائن بعدما منح سكانها عشر دقائق لإخلاء بيوتهم! يطل صاحب البيت مع والدته ويشير إلى سلم حديدي: «هناك كان بيتنا، وهناك بيت أبو مدين وإلى جانبه بيت سرندا وبيت الحاجة خصوم وبيت طه وبيت تواني وبيت الحاج صالح». خريطة بيوتهم في وطنهم لم يتمكن الاغتصاب ولا الغربة الإجبارية من مسحها من الذاكرة التي تقاوم النسيان.


دور المرأة في المجتمع عالجته في وثائقي «عنب الكريستال»

تلك بعض مشاهد فيلم المبدعة ساهرة درباس التي تعتمد التاريخ الشفوي لرواية مصير بعض بيوت المقدسيين عام 1948. ترافق أصحاب البيوت والمنازل والشقق في تجوالهم مستعينين بذاكرتهم التي تزداد عمقاً مع مرور الزمن، بدلاً من أن تضعف. المخرجة رافقت العائلات في بحثها عن بيوتها بعد مرور 40 عاماً على نكبة الفلسطينيين الثانية عام 1967. عادوا ليروا بيوتهم في حارة المغاربة والبقعة والطالبية والثوري والقطمون والمصرارة.
كانوا جميعاً مسلحين بالذاكرة التي تأبى حقاً النسيان، وبصور بيوتهم عام 1948، وصورهم في تلك البيوت الفخمة وعلى أدراجها، فذاكرة الوطن أعز ما يملكون.
أما فيلم «حفنة تراب» آنف الذكر، فيوثق حيوات المهجّرين الفلسطينيين من قرية طيرة حيفا ــ بلدة ساهرة ـــ في رام الله وعبر الأردن وسوريا، التي أجبر العدو وحلفاؤه من نظام عمّان وكل أنظمة سايكس بيكو، أهلها على مغادرتها وتسوية أبنيتها بالأرض، كما فعلوا مع أكثر من 500 بلدة فلسطينية في الأراضي المحتلة عام 1948. أهلها يتذكرونها، ويتذكرون أيضاً أن القوات البريطانية شاركت في حرب تقاسم فلسطين بين أنظمة سايكس بيكو. تمام الياسين تؤكد: «جاءنا الفيلق العربي كذا!» (وهو قوات البادية الشرقأردنية التي كانت بقيادة الضابط الإنكليزي غلوب وكبيرهم الذي علمهم الخيانة عبد الله بن الحسين)، وأمرونا بمغادرة بيوتنا». المخرجة أحضرت معها حفنة من تراب الطيرة لأصحاب البيوت والمزارع التي أجبروا على مغادرتها. كلهم تنشقوا عطر الأرض وسلموها للأحفاد ليزداد تمسكهم بوطنهم كما الآباء والأجداد.
موضوع دور المرأة في المجتمع الفلسطيني تعالج السينمائية بعض جوانبه في وثائقي «عنب الكريستال» (14 د ــ 2009) الذي تؤرخ فيه بالصورة والكلمة تاريخ المنظمات النسائية الفلسطينية العربية، مع تركيز على «الجمعية الأرثوذكسية العربية» التي تقع داخل سور أم المدائن والحديث عن السيدات المؤسسات وأيضاً العاملات فيها. الجمعية ــ كما نرى في الفيلم ــ شكلت شبكة أمان للمحتاجين من أسر وأفراد، فتقدم لهم الرعاية الصحية والتدريب المهني للنساء.
أما فيلم «كان بجعبتي 138 باوند» (20 د) الذي أنتجته ساهرة درباس وأخرجته عام 2009، فيواصل تقصي دور المرأة الفلسطينية في مجتمعها بعد النكبة الأولى ويروي مبادرة السيدة الفاضلة هند الحسيني لإقامة دار أيتام للأطفال الناجين من مذبحة دير ياسين تعرف باسم «دار الطفل العربي العربي الفلسطيني»، وهي تعد حتى اليوم أكبر دار أيتام في فلسطين المحتلة، تضمّ مدرسة كلية تدرس فيها 1500 تلميذة وطالبة.
تتنقل المخرجة إلى رواية مذابح الصهاينة بحق الفلسطينيين فتختار «قرية ومذبحة دير ياسين» (2012) وتلتقي بعض الناجين منها. تتحدث معهم عن ذكرياتهم في بلدتهم المنكوبة وكيفية نجاتهم من القتل الجماعي الذي نفذته العصابات الصهيونية بحق أهلها.
فيلم «عروسة القدس» (75 د. 2010) روائي يتحدث عن حياة أربع عائلات مقدسية تقطن داخل أسوار المدينة، والصعوبات المعيشية والمعاناة اليومية التي تتعرض لها بسبب الاحتلال والظروف الناتجة منه. يركّز الفيلم على الشابة رهام التي تصرّ على تجاوز الاعتراضات العائلية على زواجها من عمر الذي تحبه ويحبّها. إنها قصة كسر السور المعنوي الذي يحاصر المرأة في بيئة البلدة القديمة المحافظة، وإصرار على حق المرأة في اختيار شريك حياتها وأسلوبها.
تصف المخرجة فيلمها هذا بأنه دوكودراما، أي أنّ قسماً منه تمثيل وقسماً آخر توثيقي، وهو من أول الأفلام الفلسطينية من هذا الأسلوب الفني، وتعده مشابهاً للأفلام الإيطالية (الواقعية الجديدة) التي صوّرت في الحرب العالمية الثانية إبان الاحتلال الألماني حيث صور أيضاً تحت الاحتلال. ثم تضيف: «هذا الفيلم ملك للمقدسيين، يصوّر الحياة اليومية في البلدة القديمة، وهو عمل مستقل أيضاً. فقد توجهتُ لأهل البلدة وأعلمتهم بأني سينمائية مستقلة ولا آخذ أي دعم مادي من أي جهة كانت. أهل زهرة المدائن داخل السور، تجاوبوا معي، مما ساعدني في التصوير في حارات البلدة القديمة. أما بعض الحاجات العينية، فقد قدمها بعض المقدسيين. تجاوب أهل البلدة القديمة كان حاسماً لأن التصوير فيها من دون موافقة شبابها وأهلها أمر شبه مستحيل، ما اضطرني لتصوير بعض المشاهد خارج سور المدينة».
أخرجت ساهرة درباس أيضاً فيلمي «صمود» و«طرد العنف من تاريخنا وحياتنا». بذلك، تكون قد أنجزت بين عامي 2007 و2017 تسعة أفلام وثائقية وفيلماً روائياً، وجميعها ذاتية التمويل على نحو كامل، لكنها تذكر تعاون العديد من الطاقم الفلسطيني ــ كالمصور جميل قضماني والمونتاج عمر عواد ـــ وعملهم تطوعاً دعماً لعملها.
هنا لا بد من التنويه إلى أنّ بعض أفلامها نالت العديد من الجوائز في مهرجانات أفلام عربية ودولية وعرضت في مدن غربية عدة منها غنت، ودرسدن، وباريس، وبوسطن، وسان فرنسيسكو. مع ذلك، فإن الجائزة الكبرى ــ في ظننا ـ هي قبول المشاهدين للأفلام وثناؤهم عليها، وهو ما حصل حقاً.
إضافة إلى أفلامها، أخرجت ساهرة درباس عام 2015 وثائقياً قصيراً بعنوان « بين السماء والأرض» صوّرته في مدينة فنترتور السويسرية، وهو أول عمل تنجزه خارج الوطن المحتل. الفيلم من إنتاج «لانغ فيلم» و«جامعة زيوريخ للفنون»، وقد مثلت فيه فلسطين إلى جانب أربعة مخرجين آخرين من دول مختلفة في «مهرجان الأفلام القصيرة في سويسرا». ربما كان أحد أصعب أعمالها لأنّ من شروط الإنتاج أن تقوم بالبحث، في المدينة، عن مادة لفيلم وثائقي قصير عن المنفى. وبعد جهد جهيد وبحث مضن، في مدينة لا تعرفها، والمغتربون فيها لا يعرفونها، ويكادون لا يثقون بأحد، تمكنت من إنجازه، لكن بعد مرور خمسة أسابيع على بدء بحثها.
صوّرت السينمائية الفلسطينية شريطها في صالون حلاقة يملكه عراقي مقيم في سويسرا منذ عشرين عاماً، وصار مركز جذب للاجئين من مختلف الجنسيات: هذه سيدة سورية حامل وصلت قبل شهر من عرض الفيلم، وهذا فلسطيني من مخيم اليرموك الواقع على تخوم حاضرة الأمويين السورية، أتى عبر البحر من مصر، ففقد زوجته حين أقدم حرس خفر الشواطئ المصري على إطلاق النار على المبحرين فقتل من قتل، وذاك مهاجر إيطالي أتى سويسرا منذ 44 عاماً يشعر بالغربة في وطنه الجديد وفي وطنه الأصلي عندما قرر العودة. كل فرد يسرد تجربته في المنفى وكيف أضحوا «معلقين بين السماء والأرض».
إضافة إلى إبداعاتها الفنية، تولت درباس بتدريب 15 سيدة فلسطينية على الإخراج، فأنجزن أربعة أفلام عن التاريخ الشفوي النسائي في القدس كجزء من التعاون الإيطالي في القدس ووزارة شؤون المرأة الفلسطينية في رام الله. أما الأفلام التي رعتها وأشرفت على إخراجها، فهي: «رسالة المكافحة» (إخراج وفاء كسواني)، «وجود القدس» (فيحاء قواسمي)، «وعد أبقراط» (آمال عكرماوي)، «تطريز على الموضة» (أسماء بكري).
كما أشرفت درباس على إنتاج خمسة أفلام وإخراجها تحت عنوان 5x5 بين 2013 و2015 توثق التاريخ الشفوي الفلسطيني وهي: «تنكة مي» (للمخرجة ربيحة علان من مخيم الجلزون) الذي قارب كيفية تمكن أربع لاجئات من أجيال عدة من توفير المياه لأطفالهن رغم نقصها في المخيم منذ النكبة الأولى عام 1948 حتى الآن، و«بصمة سوزان» (إخراج شمس غريب)، الذي يحكي قصة سوزان عواد التي كانت رئيسة «جمعية اليتيم العربي» وسيدات أخريات كن عضوات في الجمعية وكيف تمكنّ من بنائها من لا شيء بعد النكبة الثانية عام 1967. علماً أنّ الجمعية هي حالياً ملجأ للأيتام. أما الفيلم الثالث فهو «سر الراعية» (إخراج بسمة سويطي من بلدة بيت عوا) الذي يروي حياة الراعيتين فاطمة (75 عاماً) وأم العبد (90 عاماً) ويحدثنا عن الصعاب التي واجهتهما في الحقل منذ كانتا في سن العاشرة. يصوّر الشريط كيفية مقاومة فاطمة ألم فقدان ابنها الشهيد بالغناء له في المرعي. وهناك «عقد الياسمين» (للمخرجة قمر شبارو من نابلس) الذي يتناول بالصوت والصورة العادات والتقاليد التي كانت سائدة في الحمام التركي في المدينة حسب رواية ثلاث نساء منها، وكذلك عن عادة «صالونات الاستقبال» التي اندثرت في الثمانينيات. الفيلم الأخير هو «لو حكت أسماء» للمخرجة يافا عاطف من جنين. موضوع الفيلم هو حديث صديقات أسماء العنزاوي التي كان عمرها 16 عاماً، عما واجهته في السجن قبل ثلاثين عاماً حين اعتقلت وانتحارها بعد شهر من إطلاق سراحها بسبب تآمر الاستخبارات الصهيونية على إسقاطها ومعتقلات أخريات في شباك الخيانة. أخيراً، شكراً ساهرة درباس، ونحن متشوقون لمشاهدة عملك الجديد «على عتبة الباب».

1) https://www.youtube.com/watch?v=Ss8tvROGZuA.

2) https://www.youtube.com/watch?v=gKY9a2S2yk4.

3) https://www.youtube.com/watch?v=0GjjUj4euCk

4) https://www.youtube.com/watch?v=6F1z3HgdqoA

5) http://www.kurzfilmtage.ch

6) - Int. Kurzfilmtage Wintherthur, Winterthur (Swizerland) Nov/2015.

- Mecal 18º Festival Barcelona, March 2016 www.mecalbcn.org

- 28. Filmfest Dresden, Germany, Open Air program, April 2016 http://www.filmfest-dresden.de/de/

- Eye on Palestine Arts and Film Festival, Ghent, April 2016 http://www.eyeonpalestine.be/

- Boston Palestine Film Festival 2016

- Arab Film Festival 2016, San Franciso, LA, San Diego, October 2016 http://www.arabfilm http://www.kurzfilmtage.ch/DE festival.org/

- Days of Cinema - Third Edition Palestine, 15-21 October, 2016.

- 14° Festival international Signes de Nuit / Paris, November 2016.

7) https://www.youtube.com/watch?v=wU00e_uYGPE