بعد مرور عشرة أعوام على مسرحية «حكي نسوان» التي غاصت بحميمية في عالم النساء وطرحت مشاكلهن وهواجسهن، ها هي المخرجة لينا خوري تقدّم عملها الجديد «حكي رجال» بدءاً من اليوم في «مسرح المدينة». عمل جاء بعد غوص طيلة أعوام في خفايا عالم الرجل. لم تقتبس لينا خوري النص ولم تكتبه بمفردها كالعادة، بل بالتعاون مع الجنس الآخر... هذه المرة، مع فؤاد يمين، ورامي طويل. أما الرجال/ الممثلون الخمسة، فهم غابريال يمين، طوني معلوف، فؤاد يمين، طارق تميم وجوزيف زيتوني.

المطلوب رجال، والسبب غير محدد. هذا الإعلان يستقطب رجالاً من أعمار وخلفيات اجتماعية ومهنية مختلفة إلى المكان نفسه، حيث تدخل عليهم لينا خوري وتستهل بسؤالها الاستفزازي: «من منكم رجلاً؟». هي تلعب دور المخرجة أيضاً في العرض. «الرجال فيكن يحكي»، هكذا تفصح عن رغبتها في تقديم عرض مسرحي عن رجال يجرؤون على التكلم والتعبير، موضحةً سبب وجودهم هنا والآن.

أما الرجال، فيمتعضون من الفكرة ويسخّفون فكرة المخرجة ويرهبونها، على اعتبار أن ليس لديهم ما يتكلمون عنه لأنهم ليسوا كالنساء، فـ «الرجل فارغ، وتافه، ليس لديه مخاوف أو ما يتكلم عنه، إلا الجنس» وفق ما جاء في المسرحية. لكن لينا مصرّة، ومقتنعة بأن لكل رجل مخاوفه وهواجسه ومشاكله وأحلامه، وتعمل جاهدة على استدراجهم للإفشاء عن خفاياهم وأسرارهم الدفينة التي تختلف من رجل إلى آخر، لكنها لا تصل إلى هدفها إلا بعد انسحابها من على الخشبة.
تتداخل مستويات الواقع في حبكة النص وفي التركيبة الإخراجية. إذ أن لينا خوري المخرجة، تمثّل رحلتها الشخصية في العرض ومعاناتها للتوصّل إلى حث الرجال على التكلم. الرجال/ الممثلون، منهم من يروي قصة شخصية من حياته الواقعية، ومنهم من أضاف بعض التفاصيل من حياته الشخصية على قصته، ومنهم من يجسّد شخصية نمطية من مجتمعنا: مدير مصرف، ماكينة أموال، مثلي الجنس، الرجل الذي أحب وبنى عائلة وانتهى به المطاف بالعمل ليلاً نهاراً ولا يكفي احتياجات عائلته التي لا تراه ولا يراها...
الطابع البسيكودرامي للعرض والتفريغ التصاعدي الذي يحصل بعد اضمحلال الرقابة الذاتية ورقابة المخرجة/ المرأة (بعد خروجها)، يضفي طبقة من الواقعية، فيحظى الطرح بتعاطف المشاهدين ويدفعهم إلى تغيير نظرتهم تجاه الرجل وإعادة تقييم أولئك المحيطين بهم يومياً؛ بالمختصر تشكيل رؤية جديدة إلى هذا الواقع.


تتداخل مستويات الواقع في حبكة
النص وفي
التركيبة الإخراجية

اللغة المحكية واقعية وغير مبتذلة، لغة المسرح الطبيعي للرجال. التمثيل عفوي وغير مبالغ به، ما يخدم السياق العام للعرض.
واقع لينا المخرجة كامرأة لا يثنيها عن التخلي عن حياديتها في مواجهة الآراء والمواقف الذكورية، لكنها ترى بأن «الرجل والمرأة مختلفان، لكن الاثنين بشر يستحقان الاحترام نفسه والحقوق نفسها. لا بد من تخفيف عبء المسؤولية عن الرجل، إذ أن المرأة هي التي تبني هذا المجتمع، فهي التي تربي الرجال والنساء. مجتمعنا الحالي بتطرفه النسوي يخصي الرجال»، والتزام موقع يعدل بين طرفين متضادين، هو المنبر الذي اختارته لينا لتقول إن الرجل ليس مستبداً ولا مخيفاً ولا مسيطراً.
للسينوغرافيا حيّز مهم في هذا العرض: وسط الخشبة، هناك شاشة كبيرة فيها أربعة إطارات، تأخذ مكانة درامية رويداً رويداً، حيث نتعرف إلى «عزيز» أبليكايشن/ شخصية رقمية، يستعملها الرجال كمهرب من أجوبتهم الخاصة لـ «للتعريف عن الرجل». استخدام الشاشة خلال العرض من اللحظات المنتظرة الشاهدة على تحوّل. بعدما تمكنّوا من تقبّل صورتهم الحقيقية بأوجاعها وشوائبها، يلتقط الرجال صورة لأنفسهم بكاميرا ـ هي أيضاً شاهد ورقيب. يذهبون ويتركون وراءهم صورتهم في إطار على الشاشة، رسموه وحددوه بأنفسهم. إطار مختلف عن ذلك الذي يسقطه المجتمع عليهم ويضعهم فيه.
أما الرموز الذكورية، فتأخذ على الخشبة حضوراً مبالغاً فيه بعض الشيء. هناك تفاوت في الأحجام، وأكبرها ليس بحالة انتصاب كاملة كأن هناك ثقلاً ما يردعه عن ذلك. ولا يشكل ذلك هاجساً للرجال فحسب، بل للنساء أيضاً، إذ أن الرجولية مرتبطة بانتصاب القضيب، وهنا على الرجل أن ينجح في هذه المهمة المحتمة عليه بطبيعته. ربما أرادت لينا خوري أن تعبر بانكسار رمز العضو الذكري وعدم انتصابه الكامل، عن تعب الرجل في مجتمعنا. مجتمع يضعه في موقع مسؤولية كبيرة تنهكه وتطحنه.
التطرق الى مشاكل الرجل في هذه الفترة من الزمن، في ظل النسوية التي تعلو وتقوى في العالم واستمرار الشوائب الاجتماعية وجرائم العنف التي ترتكب بحق المرأة، يشكل طرحاً جريئاً. هنا، تختار لينا خوري موقعاً حساساً هذه المرة، أكثر مما كان عليه الوضع في «حكي نسوان».

«حكي رجال»: 20:30 بدءاً من اليوم حتى 10 آذار (مارس) ــــ «مسرح المدينة» (الحمرا) ــ للاستعلام: 01/753010