منذ أيام، تجمّع محبّو محمد رويشة في «مسرح محمد الخامس» في الرباط، حاملين الشموع والورود، وموجّهين تحية إلى الفنان الذي رحل قبل أيام فقط من تكريمه الذي كان مقرراً في المسرح. لكنّ الموعد مع الفنان الأمازيغي الرائد لن ينتهي. ها هم يعلنون أنّهم سيوجّهون له تحية غداً الأحد في مناسبة أربعينية رحيله. إنّه مكر المصادفات وقسوتها الذي جعل يوم 17 كانون الثاني (يناير) مأتماً للأغنية المغربية الملتزمة وشاهداً على رحيل جيل الرواد ممن صنعوا مجد الفن المحلي الحقيقي. في اليوم الذي شهد رحيل محمد سوسدي، ودّع المغاربة أيضاً «فريد الأطرش الأمازيغي» محمد رويشة (1952) الذي فارق الحياة في بيته في خنيفرة (ولاية مكناس تافيلالت بين جبال الأطلس المتوسط) إثر تدهور حالته الصحية فجأةً.


كثيرون لم يكونوا يفهمون معنى كلمات أغنياته بأمازيغية الأطلس. مع ذلك، نجح ملك آلة «لوتار» في صنع قاعدة جماهيرية من الجنوب إلى الشمال حتى تحوّل إلى أيقونة، وبات عديدون يلقّبونه ببوب مارلي المغرب. محمد رويشة (اسمه الحقيقي محمد الهواري) الذي كانت والدته من المناضلات في معارك آيت عطا ضد الاستعمار الفرنسي، بدأت موهبته الموسيقية باكراً. ورغم تفوقه على مقاعد الدراسة، إلا أنّه غادرها سريعاً متفرّغاً للموسيقى. هكذا، سجّل أغنية «بيبي ؤوسغوي» عام 1964 ولما يتعدّ الرابعة عشرة من عمره. اشتهر بالبحث في الإيقاع والمتن الشعري وتوظيف معارفه في المزج بين مدارس فنية متنوعة وابتكار مدرسته الفنية الخاصة التي جدّدت في الأغنية الأمازيغية، فاستحق لقب «رويشة» الذي يعني بالأمازيغية المزج والخلط.
نبوغه جعله يضيف وتراً رابعاً إلى آلة لوتار حتى أصبح ملك العزف على تلك الآلة. أنامله الذهبية أضافت إلى هذه الآلة طابعاً تعبدياً وصوفياً خاصاً. خلّف عدداً من الروائع الخالدة مثل «إناس إناس» («قل لها» بالأمازيغية) و«شحال من ليلة وليلة» (كم من ليلة وليلة)، و«قولوا لميمتي» (قولوا لأمي)، و«يا مجمع المؤمنين» وغيرها من الأغنيات المقتبسة من التراث الطرقي وتناولت تيمات عديدة، أبرزها الوطن والأم والسلام والحبّ والطبيعة ومعاناة المقهورين على أنغام أطلسية حزينة.
حتى في التكريم، كان زاهداً. فارق الحياة قبل أيام فقط من الاحتفال الذي كان سيقام له في «مسرح محمد الخامس» في الرباط. هكذا، أراد ريشة الموت بين أحضان أطلسه الذي شكل له مصدر إلهام كبير. حتى ساعاته الأخيرة، ظلّ وفياً لخجله وانطوائيته وانعزاله. لم تفارق حياته مسحة الحزن البادية عليه دوماً وغلّفت أغنياته.




تحية غداً في أربعينية الراحل في «مسرح محمد الخامس»، الرباط