كيف ستكرّم السينما مايكل جاكسون بعد نحو 35 عاماً من وفاته؟ أي سرّ من حياته الخاصة سيكشفها الفن السابع إلى ملايين الجماهير الذين وصلتهم أعماله الخالدة؟ اليوم، تبدو تجربة Cloclo نموذجاً يحتذى به. الفيلم الذي يروي قصة كلود فرانسوا (1939ـــ 1978)، عرف كيف ينقل صورة المغني الشعبي الفرنسي إلى الذين لم يعرفوه، وكيف يوقظ تلك النوستالجيا إلى الحقبة الذهبية الموسيقية في ستينيات القرن المنصرم وسبعينياته.


نادراً ما تنجح السينما الفرنسية في اختراق الجمهور الأميركي، وما لا يُنتج في هوليوود يصعب أن يجد طريقه إلى الجماهير العريضة، بل يقطف حصراً أذواق النخبة المتذوقة للسينما الأوروبية التي تتمتع أيضاً بجمهورها الخاص في عالمنا العربي، ولبنان لا يشذ عن القاعدة. وهذا ما يبرر ضعف الإقبال على تلك الأفلام التي قلما تستقطب جمهوراً خارج المناسبات الخاصة كمهرجانات السينما الموسمية.
لذا لم يصمد Cloclo الذي أخرجه الفرنسي فلوران إيميليو سيري كثيراً في دور العرض المحلية حتى اقتصر على بضع صالات، وفي أوقات محددة. لكنّ انطباع القلة التي تابعت الفيلم لم يطابق مبيعات التذاكر. الشريط كان مشغولاً كي يعلّق كلود فرانسوا في الذاكرة، ويجري استحضاره عند الذين عايشوه، وخصوصاً أنّه استطاع الخوض في حياته المعقدة بشخصيته المركبة التي تجمع التناقضات ولم تستمر أكثر من 39 عاماً، قبل أن يموت صعقاً بالتيار الكهربائي ويشكّل صدمة لجمهوره الذي عشقه كما لم يعشق فناناً قبلاً. الفيلم يظهر علاقته الخاصة بجمهوره وعشرات المعجبات اللواتي انتظرنه يومياً عند عتبتي منزله ومكتبه.
يعود الشريط إلى بدايات فرانسوا، حين كان لا يزال طفلاً يعيش مع والده الذي كان يعمل في قناة السويس، وطُرد منها يوم تأميمها. صحيح أنّ تلك اللحظة التي شكّلت للعرب تمرداً محقاً على الاستعمار الاقتصادي الغربي، أظهرها الفيلم كنوع من البلطجة، إلا أنّّه مرّ عليها سريعاً. لم يشأ المخرج تضييع اللحظة في التركيز على الأحداث الثانوية؛ إذ إنّ استعادة تلك الحقبة هدفت إلى إظهار الطبيعة القاسية والصارمة لشخصية والد فرانسوا، إلى درجة أنّه قاطع ابنه حالما قرّر العمل في إذاعة «مونتي كارلو»، عندما أفلست العائلة، ورفض حتى أن يستقبله وهو على فراش الموت. أما والدته، فأظهرها الفيلم رقيقة ومحبة، رغم إدمانها الميسر. ويبدو أنّ والدَي فرانسوا طبَعَا شخصيته التي جمعت بين اللؤم والصرامة حيناً والميل إلى المغامرة أحياناً. المغامرة وحدها صنعت أسطورته بعدما كافح وحارب ليحجز لنفسه مكاناً بين الكبار، فظهر صارماً وممسكاً بكل ما يدور من حوله، لكنّه ظلّ في الداخل رقيقاً كطفل أمام نفسه وأمام النساء الكثيرات اللواتي مررن في حياته. ينتقل الفيلم بسلاسة ليروي صعوده التدريجي وتأسيسه شركة إنتاج، ووكالة لعرض الأزياء، وتحوله من شاب طموح إلى حالة جماهيرية نادرة. وهذا ما أراد المخرج إبرازه عبر إدخال عدد من المشاهد الأصلية المأخوذة من الأرشيف.
لذا، بدا الفيلم متوازناً لم يُظهر فرانسوا بطلاً مطلقاً ونجماً لا تشوبه شائبة. لقد قدّم لنا كل سيئاته، لكنه ركّز على الجوانب الإنسانية كشغفه النادر وعزيمته الاستثنائية وميله نحو الابتكار خوفاً من الفشل الذي ظل هاجساً يلازمه، فهو عاش المجد من دون أمان، وكان مهدداً من أزمات عديدة أُولاها الإفلاس، وسقوطه في فخ النساء اللواتي هجرنه وأثّرن به.
اللافت في الفيلم أمانته في نقل تلك الحقبة الزمنية التي عاش فيها الأسطورة، بكل تفاصيلها حين كان العالم يرهص بالثورة التي ظهرت في أوروبا والولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، فجعلها نقية فرحة، تعكس ميل الشباب نحو التعبير عن الذات بالموسيقى والرقص، تماماً كما نقل فيلم Moulin rouge الحركة البوهيمية التي مهّدت للسنوات المجنونة.
من الواضح أنّ الشريط أراد تكريم فنان لم يأخذ حقه كثيراً خارج فرنسا حينها. خطفه الموت وهو في الطريق إلى اختراق الجدار الموسيقي الإنكليزي. تعرّض لأبشع أنواع التعتيم غير المقصود حتى إنّ أغنيته الأكثر شهرة Comme d’habitude التي سرقها منه فرانك سيناترا ونقلها إلى الإنكليزية تحت عنوان My Way، لم يستطع أن يدافع عنها أمام العملاق الأميركي حينها. علماً بأنّMy Way هو الاسم الذي اختير للفيلم عالمياً قبل أن يتغيّر إلى الاسم التجاري Cloclo، وهو اسم الدلع لفرانسوا.
الفيلم صنّفه معظم النقاد بأنّه تكريم حقيقي يليق بالأسطورة كلود فرانسوا، وخصوصاً مع منح البطولة للممثل البلجيكي جيريمي رينييه الذي استطاع أن يقدم أداءً رفيعاً. كيف سيكون تكريم مايكل جاكسون بعد خمسة وثلاثين عاماً؟ لا يمكن التكهن اليوم، لكن إذا أُنجز على شاكلة Cloclo، فسيكون فيلماً رائعاً يستحق المشاهدة.






Cloclo: «غراند سينما ABC»
(01/209109)، «غراند سينما ضبيه» (04/444650)