كان محمود عبد الوهاب (1929 – 2011) يمنّي النفس برؤية كتابه «شعرية العمر» (دار المدى)، لكن الأجل توفّاه قبل شهور من صدوره أخيراً. الكتاب أشبه بسيرة ثقافية لأحد روّاد القصة والرواية العراقية. مفردة «العمر» في العنوان هي خليط من التقدم في السن، وفي الممارسة الكتابية، والقراءات المتراكمة، بينما «الشعرية» تحوِّل هذا الخليط إلى نصوص سردية تتأرجح بين الكتابة الذاتية والمقالة والانطباعات النقدية والمذكرات. ينتمي عبد الوهاب إلى ذلك الرعيل الذي دشّن بدايات القصة الحديثة في الأدب العراقي، وضم أسماءً مثل مهدي عيسى الصقر، وعبد الملك نوري، وفؤاد التكرلي. مقارنةً بمجايليه هؤلاء، كان صاحب «رائحة الشتاء» مقلاً في الكتابة، وعاش معظم حياته في البصرة بعيداً عن الحياة الثقافية المتركزة في العاصمة بغداد، لكن ذلك لم يؤثر في حضوره النوعي في تلك الحقبة التأسيسية في الثقافة العراقية عموماً.


مذاقات تلك الحقبة حاضرة بكثافة في كتابه الأخير، إذْ لا يكفّ المؤلف عن استعادة ذكريات وأحداث شاركه فيها زملاؤه الروائيون، إلى جوار أسماء شعرية مثل بدر شاكر السياب وحسين مردان ومحمود البريكان وسعدي يوسف. في «مكتبة التكرلي»، يكتب عن مكتبة صاحب «الرجع البعيد» التي تركها في عهدة مهدي عيسى الصقر، قبل أن يعود من تونس كي يصفّيها مع أمور أخرى في بغداد. في «مقاهي حسين مردان»، يتحدث عن «شاعر النثر المركّز» الذي تأثر بالوجودية، وكان يعتبر نفسه فيلسوفاً أكثر من كونه شاعراً. زميلاه الآخران نوري والصقر حاضران في مقالات أخرى، بينما تمر أطياف السياب وسعدي يوسف والبريكان في حكاية الغجرية التي تنبأت للأول بالموت المبكر في أرض غريبة، وللثاني بحياة تتقاذفها بلدان عديدة، وللثالث بمصير فاجع، وهو ما حدث للثلاثة فعلاً. في النص الذي حمل عنوان الكتاب، يتحدث المؤلف عن «الالتماعات الشجاعة» وعن «ديمومة الدهشة» في عمر الإنسان الذي ينبغي أن «يخضع لقانون الشعرية» لكي يكون ذلك «السعيد الذي يشيخ على نحو جيد». «شعرية» كهذه تسري في صفحات الكتاب كلها، وتتحول إلى عذوبة سردية متحصلة من تقليب الكاتب لآرائه وأفكاره الموزعة على مراحل زمنية واسعة ومتباعدة. من ولادته ككاتب «في دفتر الإنشاء المدرسي»، ونشأته في «جدارية النشرة المدرسية»، إلى نشر قصته الأولى «القطار الصاعد إلى بغداد» في مجلة «الآداب» سنة 1954، إلى آرائه المتأخرة في الكتابة، وانطباعاته الشخصية عن تجارب الآخرين. العذوبة ترشح من انقضاء الأزمنة، وتبدّل موضوعات النصوص، ومناسبات كتابتها. نقرأ «في مديح الورقة» البيضاء عن حبر الكلمات ووصايا إيتالو كالفينو للكتابة الجيدة. في «حماقة البدايات»، يكتب عن حماسة النصوص المبكرة، ويستعيد حادثة تعقيبه و«تطاوله» على مقال للناقد المصري أنور المعداوي سنة 1951، ويختتم بعبارة بورخيس: «كلما عدتُ إلى البدايات، أتساءل من هو الأحمق الذي كتب مثل هذه السذاجات». يتحدث في «شعرية العمر» عن دلالات «العنونة»، وعن أخطاء الترجمات في نقل عناوين بعض الكتب إلى اللغة العربية. نقرأ ذلك، ونستعيد كتابه «ثريا النص»، الذي أسهب فيه بالكتابة عن فن العنوان في القصة القصيرة. على أي حال، هناك حضور واسع لمصطلحات ومفاهيم نقدية وثقافية في الكتاب. كأن المؤلف يتسلل إلى الباحة الخلفية لفن الكتابة، ويعاين آلياتها التطبيقية في تجارب ومؤلفات عديدة. هكذا، يناقش مقولة «موت المؤلف» لرولان بارت، وإمكان أن يكون القارئ مؤلفاً ثانياً. بالطريقة ذاتها، يتناول مسائل مثل: التأويل، الإلهام، الأسلوب، تقنية الحوار، مسوّدة الكاتب، طقوس الكتابة، أدب الفكاهة. في الأثناء، تمر أسماءٌ يعترف بتأثيرها في خياله وذائقته: دينو بوتزاتي، غاستون باشلار، ماركيز.
إلى جوار القصة والرواية، شُغل عبد الوهاب بالجوانب النقدية والفكرية والأسلوبية للكتابة عموماً. كأن صاحب «رغوة السحاب» كان الناقد الأول لنصوصه، وربما يكون هذا الشغف مبرراً غير مباشر لقلة نتاجه، إذْ إن تعزيز الحواس النقدية يصعّب الممارسة الإبداعية أحياناً. سببٌ كهذا يمكن إضافته إلى مزاج شخصي خافت اشتهر به الكاتب الراحل في سيرته الذاتية والثقافية. كأن «الشعرية» طاولت حضوره ككاتب وإنسان اعترف له قراؤه وعارفوه بالنبالة والموهبة.