في ضوء اللحظة السورية، يكتب أدونيس عن نصف قرن «تم فيه التفريق باسم التجمع، والانشقاق باسم الوحدة، والسبات باسم اليقظة، والتخلف باسم التقدم». وفي الضوء ذاته، يشير إلى هؤلاء الذين حكموا «ولم يتركوا خلفهم على أرض الحياة والعمل والفكر إلا التفكك والانهيار والمرارة والعذاب». سوريون كثر سألوا عن مثقفيهم في محنة وطنية يشعر بها الجميع. وجاء الجواب من أدونيس في «مداراته» الأسبوعية في «الحياة» السعوديّة، أنّ «الشمس المأمولة لا مكان لها من دون الخيار المدني في كل شيء».


لكن كيف تتحقق المدنية في نظم لا تعترف أساساً بقيمة حياة الإنسان؟ اليوم ومع هذه الصحوة العربيّة، يتكشف حجم الخديعة التي تأسست عليها هذه الأنظمة المهترئة التي لا تحيا إلا على موات شعوبها. بدا الزعيم العربي مستعداً لخوض حرب ضد شعبه، وزجه في حرب أهليه وطائفية. ولا داعي للتذكير هنا بتفجير الكنائس المصرية التي اكتشف لاحقاً أنّها من تدبير أمن الدولة، وكذلك «زعران» اليمن وتونس وليبيا. حين تكون الفتنة ملجأ الأنظمة في الأزمات، فهذا يعني أنّ مشروع الدولة قد وصل إلى نهايته. وحين يكون بمقدور النظم جرجرة الشعوب إلى اقتتال قبلي ومذهبي، تكون قد وصلت إلى طريق مسدود وعجز كامل عن التعايش مع مجتمع تجاوزها. هنا، يبدأ الصدام بين مجتمع حي ونظام ميت ليس أمامه إلا اقتياد شعبه إلى موت مماثل.
من النصائح الأساسية التي كان يكررها هتلر لضباطه «دعوا الشعب يشعر دائماً بأنه داخل مؤامرة كبيرة، وأن المعارضين خونة». ويبدو أنّ هذه القاعدة الهتلرية سارية المفعول حتى هذه اللحظة عند النظم العربية التي استغاثت بالمؤامرة حين وصلت إليها أصوات الناس المطالبة بالإصلاح. كان عليها ذلك، إذ إنّ اللجوء إلى نظرية المؤامرة هو رديف دائم لإنكار الواقع وعدم الاعتراف به.
الأزمة التي تعيشها سوريا هذه الأيام أفرزت جملة من النتائج المفزعة. الدولة بدت غير جاهزة لاستقبال وافد جديد إليها ألا وهو الإصلاح. ليس لأنّها لا ترغب به، وتراهن على لعبة العصا والجزرة، بل لأنّ منظومة القوانين والأسس الإدارية والبنية التشريعية تأسست على رفض استيعاب ذلك. ولعل المشكلة الأكثر بروزاً كانت غياب النخب عن هذا الحراك. حتى الأيام الأخيرة، بدا المثقف السوري متمترساً خلف خوفه وفرديته، عاجزاً عن الانخراط في سجال عاشته كل أطياف المجتمع السوري وقد وفّرته نعمة الـ«فايسبوك». ربما حتى المثقف السوري فوجئ بما يحدث أمامه. وكان صعباً عليه أن يجد لنفسه مكاناً بين آلاف الشباب الذين تجاوزوا نخبهم.
على مدى الأيام الأخيرة، ظهرت بيانات مختلفة ومتضاربة، من المثقفين ومن يعادلهم، منها ما هو عاجل وعاجز كأنه صادر عن أناس يعيشون في كوكب آخر. لكن لم يكن لهذه البيانات أثرها بين متداوليها. تقول إحدى المعلّقات على فايسبوك: «وأخيراً صحيوا». يجيب آخر: «الله يطعمكم الحج والناس راجعة». بيانات كثيرة صدرت بعد الانتفاضة في سوريا، منها ما حمل اسم «الميثاق الوطني» ومنها ما جاء تحت عنوان «العهد الوطني». لكنّها بمجملها حملت بنوداً فضفاضة عن الديموقراطية، وإدانة كل من يتسبب في الفرقة بين أبناء الشعب الواحد. بدت هذه البيانات متنصلة من حقيقة الواقع والمطلبيات الجوهرية. وربما هذا ما دفع المخرج أسامة محمد إلى تذكير الناس بـ«بيان الـ99» الذي صدر في عام 2000 بمطالب واضحة ومحدّدة منها: إلغاء حالة الطوارئ والأحكام العرفية، وإطلاق المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي وعودة المنفيين، وإقامة دولة القانون والحريات السياسية والإعلامية. وطبعاً لم يتحقق أي شيء من هذه المطالب ورحل عدد كبير من الموقعين عليه أمثال عمر أميرلاي، وعبد الرحمن منيف، وممدوح عدوان، وشعيب طليمات، وعبد المعين الملوحي، وأنطون مقدسي...
كما في مصر وتونس وسواهما، كذلك في سوريا: لا شك في أنّ الشارع السوري تجاوز مثقفيه بمسافة كبيرة. «لسنا في حاجة إليهم»، يقول أحد المعلّقين على صفحته على فايسبوك. أكبر المتفائلين لم يكن يتوقع أن يكون للمثقف السوري مكان في ما يحدث. الكثير منهم يعيشون خارج التاريخ وما زالوا ثوريين على طريقة احتفالات الطلائع أو شبيبة الثورة. وكثيرون منهم أيضاً دفعوا أثماناً غالية في زمن كان يعز فيه الكلام. الصامتون بعضهم دفع الفاتورة مسبقاً، بعدما نبه إلى مجتمع يبنى بطريقة ستأخذه يوماً ما إلى طريق مسدود. وبعضهم مجرد ديكورات جميلة. أسئلة كثيرة يمكن رصدها. لكن الجواب الأدق هو أنّ الطريقة التي أديرت بها البلاد على مدى السنوات الماضية أفرغت الحراك الثقافي من معناه، وأسهمت في قتل روح المبادرة، وزرعت بذار الخوف في أرواح كثيرين.




قوائم العار

رسام الكاريكاتور علي فرزات أعلن أخيراً أنّه في صدد وضع «قائمة العار» تضم أسماء بعض المثقفين والفنانين والمخرجين الذين التزموا الصمت تجاه الأحداث التي شهدتها سوريا، في انتظار ما ستؤول إليه الأمور لركوب الموجة. لكن هناك قوائم عار ظهرت الأسبوع الماضي وتضمنت أسماء أكثر من 30 شخصية فنية وإعلامية سورية. بعضها لا يخلو من رائحة سلفية تعتبر الفن بدعة وحراماً، وبالتالي فإن هؤلاء الفنانين لا قيمة لهم وهم عار في الأساس. لكنّ بعضها الآخر وُضع بناءً على تصريحات أدلى فيها فنانون لوسائل إعلامية مختلفة، وكانت في مجملها منسجمة مع الخطاب الرسمي.