في مجموعته البكر «الحالم يستيقظ» (دار الغاوون)، يضعنا الشاعر العراقيّ علي محمود خضيّر (1983) بمواجهة عالمه المزدحم بالانهيارات وبشعوره الدائم بالقلق من قادمات الأيّام. كيف لا وهو يلخّص حال المتورط في وحشة الحياة: «كأنّ جماعة من الموتى أو الملائكة/ ينتظرونه كي يأخذوه معهم/ حيث لا رجعة أبداً». إنّنا أمام تجربة شعريّة عراقيّة، تطرح نفسها بعد نيسان (أبريل) 2003. تجربة عاش صاحبها طفولته على وقع مدافع الحرب العراقيّة الإيرانيّة، وشهد حصار التسعينيات، ليكتب قصائده وهو يستجمع كلّ ما عاينه من خراب، باحثاً عن ملاذ يفتقده كلّ من «رأى الشمس تخفقُ مشنوقةً بحبلِ العاصفة».

دخول الشاعر في حوار مع ذاته، يستلزم أسئلة تنبش في وجوده وحاضره ومستقبله: «كم ثعباناً في قميصك أيّها القدر؟ كم سكيناً خلف ظهرك أيّها الغد؟». في نصّه «وسواس» يقترب من سؤال أكثر إيلاماً وعمقاً، إنَّه تأرجح الإنسان بين حياة يحاصرها «احتراق الأخضر واليابس من العمر»، وبين «موت بهيئة ديناصور لا يطلع إلّا من أغلفة الكتب»، ليأتي الاستفهام وهو يحمل روح الشاعر العدميّة: «أيُّ معنى من انتظار موتٍ قادم لا محالة؟».
تأخذنا القصيدة إلى مساحة متأمّلة: «أفكّر كيف أنَّ أحزان الآخرين، دموعهم وخذلاناتهم المُرّة لا تُعير اكتراثاً لأحد. ترقد منسيةً ومُهملةً كإطارٍ على الطريق السريع». ويعود في نصّه «وهي تتحوّل إلى ملاك» إلى مساءلة اليوميّ الذي لم يكن عابراً، وتبعات الوجود الأميركيّ في العراق وما حصل من انتهاكات لحقوق الإنسان. «بماذا فكّر رجال المارينز قبل أن يقتحموا عليها الدار/ ماذا سيقولون للربّ؟».
قصيدة علي محمود خضيّر لا تحاكي الأنثى بالمألوفيّة التي أدمن من خلالها العشّاق مضغ المفردات العابرة. يقول لها: «وقفتُ في منتصفِ الطريق/ على صدري/ بقايا زفيرِكِ قبل أن تـُعيرني للأسى/ وفي يدي لبقايا يدَيكِ، حنين...». لكنّ أحلامه «المحاصرة»، وإن استيقظ منها هنا وهناك، تبقى ملازمة لكلّ تجربته الحياتية، لتكون خلاصه الشخصيّ في النهاية. يكتب لمن يعنيها بحبّه وهيامه: «لك أن تعيشي كما ترغبين... ولي أن أحلم».
إنّ استغراق الشاعر ومبالغته في الحلم، تأتي لتكون هروباً من الواقع، أو محاولةً لصدّ الخسارات التي يجلبها للإنسان. يضع خضيّر حلمه في صدر الصفحة التي تصارع المفارقات المؤلمة، فهو نبوءته التي لا يملك غيرها: «سيملؤون كراريسهم بالياسمين/ لا مدافع ولا فوّهاتِ بنادق». ومثلما يسعى الشاعر في أكثر من مكان إلى إيجاد حل للخلاص ممّا يجتاحه وبلاده، فإنّه في نصّ «إذ تعكس الشمسُ أحمرَ شفاهك...»، يستعين باستشراف مستقبل ثانٍ «تصافح فيه النسمات جديلة حبيبته العابثة»، بينما الجو مشحون بأنباء عن فرق تتناحر وبيارق تهتزّ وما جرّتنا إليه الويلات المتعدّدة، وكأنّه يقول للحرب: «حلمي هو سخريتي الوحيدة منك».
مفردة «الموت» تتكرر كلازمة في مجموعة «الحالم يستيقظ». مرّة تأتي خلاصاً من خراب المحيط المعاش، وثانية يأساً واستسلاماً من لدن فنّان تعذبت روحه من تلاشي ما حوله. وإذا كانت هذه المجموعة هي تجربة خضيّر الأولى، فإنّها بداية موفقة لشاعر حرص على أن تكون قصيدته مجالاً للبحث في ما وراء المعنى.