إنّه الفيلم الأول الذي يتناول الفساد في مصر مباشرة منذ سنوات طويلة. العمل الذي أعاد السيناريست المخضرم بشير الديك إلى الساحة، يحكي قصّة الاستغلال و... «الناس اللي فوق»!


محمد عبد الرحمن
أبرز ما ميّز استقبال النقاد والصحافة في مصر لفيلم «الكبار»، كان الإجماع على أهميّة الرسالة التي يحملها الشريط رغم الانتقادات التي وُجِّهت إلى مستواه الفني. إذ أشاد الجميع بفكرة المشروع الذي جاء ثمرة تعاون بين بشير الديك أبرز مؤلفي السينما المصرية في الثمانينيات والتسعينيات الذي عاد بعد غياب عشر سنوات عن الساحة السينمائية، ومخرج شاب هو محمد جمال العدل الذي خالف السائد وقدم نفسه للجمهور لأول مرة من خلال فيلم يحكي قصة شاب يطمح إلى العدالة... لكنه يصطدم بحجم الفساد المسيطر على المجتمع المصري في الظروف الحالية.
وفيما اعتبر بعضهم أنّ الفيلم يمثّل عودةً لسينما عاطف الطيب، قال الممثل خالد الصاوي الذي قدّم شخصية الرجل الفاسد ببراعة في هذا الشريط، إنّ النقطة المشتركة الوحيدة بين الفيلم وسينما عاطف الطيب، هي السيناريست المعروف بشير الديك. في كل مؤلفاته تقريباً، ركّز الديك على مواجهة الفساد وتدهور الحسّ الأخلاقي في المجتمع المصري. ورفض الصاوي اتهام المخرج الشاب بأنه يقلّد المخرج الراحل لأنّ في ذلك ظلماً لجيل من المخرجين رموا عباءة السينما السهلة، واختاروا تقديم شريط يحمل مضامين غايةً في الأهمية. إذ يتناول الفيلم الذي يشارك في بطولته عمرو سعد، وزينة، ومحمود عبد المغني، قصّة وكيل النيابة الشاب عادل (عمرو سعد) الذي تسبّب حماسته واندفاعه الحكم على بريء بالإعدام ويفشل في إنقاذه. وهو الأمر الذي يدفعه إلى اعتزال العمل في النيابة ويحاول فعل المستحيل للتعويض عن أسرة الشاب البريء... هذا كلّه قبل أن يلتحق بمهنة المحاماة ويتصدّى لجريمة قتل طفل صغير في حادث سيارة سبّبه أحد أبناء الأثرياء. وهنا، يتلقّى الصدمة الثانية حين تتغيّر أقوال الشهود وموقف والدي الضحية بفعل الضغوط والتهديدات. هكذا، يعيش المحامي الشاب فترةً من الضياع إلى أن يتلقّفه رجال «الحاج» (خالد الصاوي). هذا الأخير يضمّ عادل إلى مؤسّسته التي ترتكب كل المخالفات التي يسمع عنها المصريون في الصحف، ويستخدمه من أجل رشوة أحد القضاة. لكن ضابط الشرطة الذي هو صديق عادل، يحاول من جديد جذبه إلى حياته الأولى ويتفقان سوياً على كشف الفاسدين. وهذه المرة، جاءت نهاية الشريط مغايرةً لما كان يحدث في أفلام الثمانينيات: ها هما البطلان الخيران يفشلان في المهمة ويتعرّض عادل لإهانة بالغة على يد الحاج، ويكتشف أنه فقد كل شيء، ولن يحقّق العدالة عن طريق القانون! هكذا، يقتل عادل الحاج بنفسه أمام الجميع في حفلة صاخبة ومن دون تخطيط. وهذا الأمر دفع النقّاد إلى الاهتمام بالرسالة التحذيرية التي يحملها الفيلم وهي اللجوء إلى الحل الفردي لمواجهة الفساد والتبشير بفوضى حقيقية في ظل غياب القانون.
ورغم أن الفيلم كتبه بشير الديك قبل عشر سنوات، لكنه جاء في توقيت يشهد فيه الشارع المصري أزمات متعددةً، أبرزها الخلاف بين المحامين والقضاة الذي أدى إلى توقف عجلة العمل في المحاكم، ناهيك بإشارة الفيلم إلى جرائم جديدة لم تكن البلاد تشهدها من قبل مثل دفن النفايات الملوثة. والمفارقة كما يقول مخرج الفيلم محمد العدل لـ«الأخبار» أنّ تلك الجريمة لم تكن قد حدثت بالفعل وقت كتابة السيناريو، أي إنّ بشير الديك تنبأ بحدوثها وهو ما


يحمل الفيلم رسالةً تحذيريّة عن الانتقام وانتشار الفوضى بسبب غياب القانون

قد حصل بالفعل. وقد رصدها الفيلم وسط العديد من جرائم الكبار الذين يشكّلون بلداً مستقلاً داخل مصر لا يعرف عنه الصغار شيئاً: بلد له قواعد حاكمة ووجوه يراها الناس في الصحف من دون أن يعرفوا خلفياتها. إذ أشار الفيلم إلى أنّ الحاج الذي أصبح شخصيةً نافذة تتمتّع بالسلطة والثروة، بدأ حياته «بلطجياً» في الانتخابات قبل ثلاثين عاماً، أي إنّ المؤلف يطالب المتفرّجين بإعادة البحث في نشأة من يديرون ثروات البلد الآن، من أجل معرفة إجابات عن أسئلة عديدة أبرزها: لماذا لا يتوقف هؤلاء عن النهب والاستغلال رغم كل ما حصدوه من ملايين محرّمة؟
ومع أنّ بعض النقاد، من بينهم طارق الشناوي، اعتبروا أنّ الفيلم عانى لغةً سينمائية قديمة كانت سائدة قبل ثلاثين عاماً، رغم أنّ الأحداث تدور في عام 2010، إلا أنّ الجدية في الطرح ورسالة التحذير التي انتهت بها الأحداث، جعلتا الأقلام النقدية أكثر رأفةً بصنّاعه... وخصوصاً أنّ الجميع نجحوا في تقديم شريط متكامل سينمائياً وجاء أداء الممثلين الأربعة جيداً، ومعهم ضيوف الشرف سامي العدل ومحمد مرشد. لكنّ إجماع النقّاد كان على أداء خالد الصاوي الذي أضاف شخصيةً مميزةً جديدة إلى قائمة الشخصيات التي قدّمها في الآونة الأخيرة.


ظهور مميز

في الآونة الأخيرة، اعتاد صنّاع الأفلام الاستعانة بنجم معروف من دون ذكر اسمه في الدعاية ولا التترات الأولى، لتقديم مشهد واحد مؤثر في الأحداث أو لافت للانتباه. وهو ما حدث في فيلم «الكبار». إذ ظهرت من خلاله عبلة كامل (الصورة) في شخصية والدة صديق عادل التي تعيده إلى الدرب السليم بطريقة غير مباشرة. كما ظهر النجم أحمد عز في المشهد الأخير من فيلم «الثلاثة يشتغلونها». وكان الفنان شريف منير قد ظهر أيضاً من دون دعاية في فيلمي «عن العشق والهوى» و«مسجون ترانزيت»، كما ظهر كريم عبد العزيز في فيلم «جاي في السريع».