عرض ثانٍ على art و«احتفاءٌ» بنجومه في دمشق


منار ديب
يبدأ العمل الدرامي التلفزيوني ـ أيُّ عمل ـ من النص. فالنص هو الأساس في المسلسل، حين يكون مشغولاً بطريقة محترفة، يصنع مسلسلاً جيداً، حتى لو كان بين يدي مخرج عادي. في الموسم الماضي، عُرض مسلسلُ، هو واحد من أهم الأعمال السورية في السنوات الأخيرة: «على حافة الهاوية» للمثنى صبح، وسرُّ قوته كان نص أمل حنا. وفي رمضان 2008، قدَّم المخرج الشاب المثنى صبح عمله الثالث «ليس سراباً» مع نص لفادي قوشقجي. وهذا الأخير، سبق أن شاهدنا له مسلسلاً هو «على طول الأيام»، لم يعد يذكره أحد. وذلك، على الرغم من أنه لم يمض أكثر من عامين على عرضه، وعلى الرغم من أنه كان بتوقيع المخرج حاتم علي. كما لم يشفع اسم تيم حسن في البطولة لإنقاذ المسلسل الذي كانت شخصياته من الملائكة أكثر منها من البشر.
أما «ليس سراباً»، فقد بُثَّ في رمضان على ثلاث فضائيات سورية، ولم يعرف عروضاً عربية. لكنه، في المقابل، أثار جدلاً واسعاً ـ ليس في الشارع، فالعمل لم يكن جماهيرياً ـ بل في الصحافة. ذلك أنه مسلسل مغرٍ بموضوعاته وطروحاته، لا بمستواه بالضرورة. ويمنح مفاتيح جذابة للكتابة عنه، وخصوصاً أنه يدافع عن قيم عصرية وقضايا عادلة وإنسانية، يرغب أي صحافي في أن يُحسب عليها. والمسلسل شاهدته قطاعات متعلِّمة منفتحة، وجدت فيه تبسيطاً مدرسياً لمسائل كبيرة كالعلمانية ودور المثقف والتطرف الديني، لكنّ كلام المقاهي الشفهي ليس ثقافة، وتصوير حياة (المثقفين) في العمل لا يجعل منه مسلسلاً مثقّفاً!
«ليس سراباً» يقدِّمُ شخصيات كالروائي والكاتب التلفزيوني جلال (عباس النوري) والصحافي ميشال (سلوم حداد)، والمترجمة حنان (كاريس بشار). إضافة إلى أساتذة جامعة وطلاب وصحافيين وممثلين، وأصحاب مهن من الطبقة الوسطى المدينية. ويتطرَّقُ إلى التعريف الديني للشخصيات، فهو يشير بصراحة إلى أُسرٍ مسيحيّة وأخرى مسلمة. ولأن العمل يتّسم بحشد للنماذج والقصص والمشكلات، فقد جرى تصميمه لقول كل شيء دفعة واحدة، وبصورة عقلانية ذهنية، لا درامية واقعية. هنا، لدينا المتزمّت المسيحي والمتزمّت المسلم، ولدينا نماذج حداثية من الفئتين. نقابل حالة زواج مختلط (وسرّي) بين جلال المسلم وحنان المسيحية، وهي الحكاية الأساسية في العمل. كما نرى قصة حب بين بشير المسيحي وريتا المسلمة، لكنها لا تتوج بالزواج لأننا هنا ندخل في منطقة الخطوط الحمراء الحقيقية (هل قلتم زواج مدني؟). فـ«ليس سراباً» يمارس «بوحاً في المتاح» فحسب، ويتطرق إلى قضايا يُفترض أنها ساخنة كجرائم الشرف، وهي قضية تثير ضجيجاً إعلامياً في البلد ـ لأنها قضية آمنة وغير جوهرية ـ بمعزل عن حجمها الحقيقي وتأثيرها. ولأن كل شيء نظري وافتراضي هنا، فلا بأس من اختراع مجلة خاصة تسمى «المزراب» (اسم مناسب لمطبوعة مهجرية من العشرينات)، تطرح قضايا عن الدين والمجتمع، وتُموَّل تمويلاً ذاتياً من دون دعم أي من تايكونات الإعلان، ولا يقف وراءها أحد. هذه المجلة المتخيلة، تثير نقاشاً واسعاً في الشارع، ويقبل الناس على شرائها... فهل هذه حالة الصحافة السورية الخاصة في الواقع؟ وهل هي قادرة حتى على أن ترمي بحصة في المياه الساكنة؟ ثم مَن يقرأ هذه الصحافة؟ وهل لها قارئ ومشترٍ؟ فكيف إذا كان صاحب المجلة مجرد مثقف مستقل، بل وصاحب مواقف قد لا تبعث على الارتياح بالنسبة إلى الكثيرين؟!
ومثقفو المسلسل ميسورون، وقضاياهم مخملية. والأشرار هنا أشبه بأشرار الرسوم المتحركة، فيما يبدو الكاتب لا يجيد صناعة بشر من لحم ودم. شخصياته لا تنفعل، ولا ترتكب العنف، وردود فعلها باهتة. رجل تخونه زوجته فيطلقها بمكالمة على الموبايل، قائلاً لها «يا عيب الشوم»! الرطانة المشهدية مع صمت كثير، وموسيقى طاغية تتجاوز حدودها كموسيقى تصويرية حتى يصير العمل «إنسانياً إنسانياً بإفراط». وفوقها، قفلة ختامية وقول لرسالته نثراً لمن لم يفهم، مع زركشة من القصائد (بصوت الشاعر) والأمطار. حاول المثنى صبح أن يكون عفوياً، واقعياً، كما هي المدرسة التي ينتمي إليها في إدراة الممثل والإخراج، لكنه كان محكوماً بفيضان من الثرثرة الحدثية الزائفة وبتورم بالمقولات التي لا تنسج حكاية ولا تصنع دراما.

21:15 على «art حكايات كمان»



ندوة أم احتفال؟

أقام المنتدى الاجتماعي في دمشق أول من أمس ندوة خاصة عن مسلسل «ليس سراباً»، نظَّمها المنتدى ودار «أطلس» للنشر. وشارك فيها الكاتب فادي قوشقجي والمخرج المثنى صبح والممثلون عباس النوري وسلافة معمار، كما حضرها حشد كبير، بينه حضور إعلامي بارز. لكن لوحظ أن الندوة اتخذت طابع الاحتفال أكثر من النقاش، فمعظم المداخلات كانت للإشادة بالمسلسل وممثليه أو طرح قضايا تطرَّق إليها العمل بدلاً من تناول المسلسل نفسه. ففضيلة الجرأة غطَّت على كل الرذائل. أما الأسئلة الإشكالية، فإما أنه جرى تمييعها، أو تجاهلها كلياً. وإذا كان عباس النوري وسلافة معمار قد أعلنا الإيمان، ونزّها الدين عن توظيفاته الدنيوية... فإن السؤال الجوهري هنا: هل بِتنا لا نفرِّق بين الممثل والشخصية؟

عباس النوري


من «أبو عصام» في «باب الحارة» إلى الكاتب جلال في «ليس سراباً»، مسافةُ تتطلب الكثير ليجري قطعها. النوري الذي شارك هذا العام أيضاً في «أبو جعفر المنصور»، هل لا يزال قادراً على المحافظة على بريق الموسم الماضي، حين لم تعد نجوميته موضع تساؤل؟