تعرف قناة mtv كيف تحيل البرامج العالمية إلى نسخ عربية متميزة، تتمكن عبرها من استقطاب جمهور عريض، وتحقق ما يشبه «سكوب» كونها تكون السباقة في طرح الفكرة عربياً. وفق هذا المنطق، عرّبت قناة «المرّ» برنامج Au tableau الفرنسي ليصبح عنوانه «دق الجرس». العمل التلفزيوني ـــ حسب نسخته الأصلية ـــ يعتمد على استقبال أحد المرشحين للرئاسة، والإجابة في غضون 30 دقيقة على أسئلة توجهها إليه مجموعة من الأطفال الذين تراوح أعمارهم بين 8 و12 سنة.


كذلك، فإن النسخة اللبنانية تستضيف سياسيين بارزين، وتترك فرصة محاورتهم لأطفال في صف مدرسي، بعد عرض «ريبورتاج» تمهيدي يشارك فيه بعض الأطفال لإضفاء حالة من المرح، وصناعة دعابة تكسر جمود اللحظات الأولى من الحوار. حتى الآن، عرضت المحطة حلقتين من البرنامج، والنتائج تبدو منسجمة مع الواقع المتحرر، والانفتاح الإعلامي للبنان قياساً مع بقية بلدان الوطن العربي.
في الحلقة الأولى، استضاف البرنامج رئيس الحكومة سعد الحريري. أما الثانية فكانت لوزير الخارجية جبران باسيل. الشخصيتان الإشكاليتان ظهرتا بحلّة جديدة، معافاة من ربطات العنق، وسماجة السياسة، والتردد الخطابي الطاغي على الحياة السياسية في لبنان. قدمهما البرنامج بطريقة عفوية بريئة بذريعة المحاورين الأطفال. وعلى الرغم من التشويق والجدة الواضحين على البرنامج، إلا أن ردود الفعل الإعلامية تركت جوهراً يفترض أن تتصدى له، وراحت نحو المشكلة التي نشبت بين باسيل ووزير الطاقة علي حسن خليل، بعدما قال باسيل في البرنامج علناً بأن خليل هو من أوقف وصول الكهرباء إلى لبنان، فيما سلطت مواقع إلكترونية الضوء على بعض الإجابات التي تكشف جهل الضيفين بحال مواطنيهم، كأن لا يعرف الحريري ثمن ربطة الخبز، ويجهل باسيل تعرفة السرفيس أيضاً! طبعاً لا جديد في ذلك طالما أن السائد في الوطن العربي هو عزلة الزعماء السياسيين عن قضايا الشارع اليومية والمعيشية. لكن الغريب في هذا البرنامج الشيّق هو خيار المحطة الذي وقع على شريحة واضحة من التلاميذ تتماشى مع الطبقية التي ظهرت جلياً في تصريحات صاحب القناة ميشال المر الأخيرة مع منى أبو حمزة عندما قال بأنّ غلاء أسعار الإعلانات على شاشته يعود إلى تمكّنها من الوصول إلى طبقات اجتماعية ميسورة تتمتع «بمستوى علمي معيّن»، تعجز باقي المحطات عن الوصول إليها. ومن المفترض أن تكون بين هؤلاء الأطفال مجموعة من المعدمين والفقراء، ومتوسطي الحال، لتكون الأسئلة نابعة من حالة صدامية مع قضايا الشارع وهمومه. ولو كان البرنامج يقدّم أسئلة جريئة، وذكية، ولماحة، إلا أنه وقع في فخ الطائفية المقيتة عندما حضّر في الحلقة الأولى سؤالاً طائفياً بحتاً عن الفرق بين طائفتين شهيرتين في لبنان ليستفيض الشيخ سعد مستخدماً الطبشور والسبورة على طريقة مدرسي المراحل الابتدائية، ويخلص إلى نتيجة تجزم بأن الخلاف سياسي بحت، ليس له علاقة بالعقيدة الإسلامية. لا يمكن إنكار الأجواء المشحونة بأوكسجين الطائفية في جميع أنحاء لبنان، والتي يدعمها نظام الحكم، والمحاصصة الوزارية والنيابية، لكن الخطير في الموضوع تكريس هذه الحالة إعلامياً بطريقة تأسيسية لجيل منخور بأفكار عقيمة. الحالة تكررت في الحلقة الثانية، هذه المرّة ليس من فريق إعداد البرنامج الذي يحضّر الأسئلة، إنما من الضيف جبران باسيل الذي سئل إن كان يحلم بأن يصبح رئيساً للجمهورية، فتمنى لرئيسه طول العمر، قبل أن يقول بأن هذا حلم يدغدغ مخيلّة طائفة كاملة من الديانة المسيحية! لم يهتز للرجل جفن، وهو يقول بطريقة ما سنحافظ على النظام الطائفي، طالما «فينا قلب ينبض»، ولم يعنه بأنه يترك صدى جملته في عقول غضّة مستعدة وفقاً لمعطيات حياتها أن تبصم الحالة عن ظهر قلب. مع ذلك، فإن البرنامج تجربة ناجحة ومؤثرة وحساسة، لكنها تحتاج إلى منبر أكثر نضجاً وأقل مراهقة من MTV.