تعطّل منذ فترة أحد خوادم فايسبوك، وتوقَّفت حسابات آلاف الأشخاص، ما أدى إلى نوع من الهستيريا والخوف، أولاً لعدم قدرة المستخدمين على الدخول إلى حساباتهم. وثانياً، لكثرة الشائعات بأنَّ عدم القدرة على الولوج إلى الموقع سببه قرصنة الحسابات. طبعاً، تبيَّن في النتيجة أنّ ذلك كلّه لم يكن إلا خللاً تقنياً في خوارزميات فايسبوك، سبّب «هذه الفوبيا» من عدم إمكانية التواصل!

في العالم الحديث، بات من الصعب على البعض تخيّل الحياة من دون فايسبوك، وهو ما يدفع إلى طرح سؤال افتراضي: ماذا لو أقفل فايسبوك أبوابه؟
ما شهدناه في الآونة الأخيرة من مشاكل تسبَّب بها فايسبوك، ومن الحديث الكثيف عن هجرة الشباب إلى غيره من الشبكات الاجتماعية، يظهر أن المستخدمين على مستوى العالم بدأوا يفقدون ثقتهم بفايسبوك، وخصوصاً أولئك الذين يستخدمونه كوسيلة وحيدة لنشر كلِّ أشكال الإنتاج، من نصوص وصور شخصية وفيديوهات. وبما أننا نعرف أنَّ الغالبية العظمى من الجمهور لا تستخدم إلا فايسبوك للتواصل، فماذا سيحصل لو أنَّه أقفل أبوابه فعلاً؟
طرح السؤال مشروع حالياً، وهو لا يعني أن فايسبوك سيقفل أبوابه في الأيام أو السنوات القريبة، لكن مثلما شهدنا هذه الطفرة في استخدامه، فمن الممكن أن تنتهي أيضاً بسرعة أو بالتدريج. هذه الفرضية يراها كثيرون بعيدة، ولكن عندما نتطلَّع إلى ما حصل لبعض الشبكات ومحركات البحث (نتسكيب، التافيستا، وغيرهما)، فمن الممكن تصوّر أن هذا الأمر ممكن! انطلاقاً من ذلك، ماذا سيفعل حينها الأشخاص الّذين اعتادوا أن يزوروا الشبكات الاجتماعية لمعرفة ما يحصل في العالم ومع أصدقائهم؟
هذا العالم الافتراضي الذي عوّدنا أن ننشر أعمالنا وأفعالنا وتفاصيل أيامنا على الملأ، وهذه «اللايكات» و«الهاشتاغات»، ستتبخَّر كلها في الفضاء. وللتذكير، ما زلنا نقرأ ما كُتب على الحائط في الهند، وننظر إلى صور الكماسوترا، ونبحث عن أقوال وعبارات كُتبت في الأمكنة الأثرية... ولكن أي كماسوترا سنترك للأجيال القادمة؟

بوليغان ـ المكسيك

من ناحية أكثر جدية، إن الخوف من ضياع المعلومات الرقمية مشكلة عالمية لا نعرف بالتحديد ماذا نفعل كي نتصدى لها، ولكن إذا اختفى فايسبوك، فستعود سلطة النشر إلى الصّحافة، وسنتذكر بعض الأصدقاء الذين لم نعرفهم في حياتنا إلا من خلاله، وسنتخلَّص من صور بعض الَّذين كانوا يقضون أوقاتهم في شرم الشيخ، وتحت برج إيفل، وفي أهم مطاعم نيويورك (سواء كانوا هناك أم لم يكونوا!)، ولن نغار أو نحسد أولئك الذين يمتلكون آلاف الأصدقاء على صفحاتهم، وسنفقد قوة التعبير التي تدغدغ الأنا الافتراضية، وسنبحث عن أسماء أصدقاء لا نعرف إلا صورهم، ولن نعرف أخبار «الجار» الذي لم نرَه في حياتنا... وسنتعرَّف إلى العائلة من جديد، ونكتشف أن الأولاد كبروا. ستضيع صوركم، وستفقدون جزءاً من شخصيتكم الافتراضية والعلائقية. أما بالنسبة إلى البعض، فستضيع إمكانية عرض وإظهار حالاتهم السعيدة والتعيسة، الباطلة والمزيفة، ولكن في الوقت نفسه، سيرتاح البعض من البروز الافتراضي المموَّه غير الحقيقي والمزيّف، وسيختفي شعراء الصدفة، وكتّاب الصدفة، وقصّاصو الصدفة، وستضيع أوهامكم وأحلامكم وأشياء كثيرة. لذلك، من المفترض أن نكون حذرين كي لا نقع في الفراغ التواصلي الَّذي قد يتركه فايسبوك. ربما نعود إلى الجذور، ربما!
لقد حذفت شركة فايسبوك ملايين الصفحات في تشرين الأول (أكتوبر) 2018، وألغت صفحات 70 ألف مستخدم، على اعتبار أنها تحمل أخباراً مزيفة. وقالت مراسلة قناة RT America، ريتشيل بليفير، على تويتر، إنها أمضت أربع سنوات من العمل على صفحتها لتخزين إنتاجها من صور ومقالات وفيديوهات على المنصة، وجرى إلغاؤها على أنها سبام (Spam)!
كما أوقف فايسبوك حوالى 900 صفحة قبل فترة من انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في الولايات المتحدة الأميركية، وهي صفحات تابعة بمجملها لناشطين ومدونين يملك كل واحد منهم ما يقارب مليون متابع. يرى البعض أنَّ السبب في ذلك أنهم يدعمون سياسة الرئيس الأميركي، ويعتقد بعض المحلّلين أنَّ السبب يعود إلى أنَّ الحزب الديمقراطي الأميركي وراء هذه الحملة من أجل تغيير المعادلات الانتخابية.
وبحسب بعض الأخبار الصحافية، من بين الصفحات المحذوفة صفحة Free Thought Project، التي قال القائمون عليها في بيان: «بعد خمس سنوات من تطوير صفحتنا الخاصَّة (3.1 مليون متابع)، أُوقفت رسمياً.. هذا أمر شائن، ونحن محبطون بسبب هذا القرار.. سنبذل قصارى جهدنا لاستعادة الصفحة».
وقد جرى إيقاف مدوّنات من مثل Nation in Distress، مع عدد جمهور يبلغ أكثر من 3 ملايين شخص، وThe Anti-Media (2.1 مليون متابع)، وPolice the Police (1.9 مليون متابع)، وغيرها من الصفحات التي استمرَّت في موقع فايسبوك لسنوات.
استطراداً، بسبب عدم نجاحه كمنصَّة اجتماعيَّة، أعلن Google+ أنه أقفل أبوابه في 2 نيسان (أبريل) 2019، بعدما اكتشف خللاً في وظيفته، ما أدى إلى اختراق ما لا يقل عن 500000 حساب على المنصَّة. هذه الثغرة أتاحت الوصول إلى المعلومات الشخصية لأعضاء هذه الشبكة الاجتماعية.
هذا الإعلان يأتي بعدما تعرَّض فايسبوك للكثير من الانتقادات بعد فضيحة «كامبريدج أناليتيكا» التي أدت إلى قرصنة 87 مليون مستخدم، وقد تكون أدت إلى التلاعب بسلوكية الأفراد للتأثير فيهم في ما يخصّ استفتاء البريكسيت والانتخابات الأميركية. لذلك، فضَّلت إدارة غوغل تجنّب الأمر، كي لا يؤدي إلى ما آلت إليه الأمور مع فايسبوك.
وتشير Google إلى أنَّ الخلل الذي حصل، على الرغم من كونه قديماً، كشف عن بيانات نصف مليون مستخدم. وعلى الرغم من ذلك، من الواضح أنَّ الملفات التي تدعمها Google في تحقيقاتها يجري تخزينها لفترة زمنية مدتها خمسة عشر يوماً، ولكن ذلك لا يعني أنَّ البيانات لم تكن قد سُرقت في أيِّ وقت خلال السنوات الثلاث السابقة قبل اكتشاف هذا الخطأ، من دون ترك أي آثار تدلّ على أن القرصنة حدثت فعلاً.
لم تعلن شركة غوغل إذا ما كانت حسابات Gmail قد تقرصنت، نظراً إلى أنَّ العديد ممن يملكون حساباً على «غوغل بلاس» يملكون حساب «جي ميل». كما أنَّ لدى الكثير من مستخدمي خدمات Google صفحة + Google من دون معرفة ذلك.
المعلومات الشخصية المتأثرة بمشكلة عدم الحصانة هذه، هي الأسماء ورسائل البريد الإلكتروني والأعمار والمهن الخاصة بالمستخدمين. من ناحية أخرى، يضمن Google عدم المساس بأرقام الهواتف ومحتوى الرسائل الخاصة والبيانات الواردة من الخدمات الداخلية الأخرى.
حتى الآن، لم تلقَ هذه الثغرة أيّ ردود فعل، ولكن لا يُستبعد أن تؤدي البيانات المقرصنة إلى إجراء تحقيق رسمي، على الرغم من أنّ حجم هذه الثغرة محدود، كما لا يستبعد أيضاً أنَّ المسؤولين في الكونغرس الأميركي سيُحاسبون قادة Google في هذه الحالة، ولكن هذا الأمر يتعلَّق بمدى تأثير ذلك في السياسة الأميركية! «غوغل بلاس» أُنشئت بعد 7 سنوات من إنشاء فايسبوك، ولكنها لم تجد الجمهور الكافي كي تنافسه، على الرغم من أنها تابعة لأكثر محرك بحث استخداماً، ومرتبطة به مباشرة، أي إنَّ الوصول إلى المعلومات داخل الشبكة الاجتماعية والبحث عنها يكون أسهل وأفضل.
المعلومات الشخصية المتأثرة بمشكلة عدم الحصانة هذه، هي الأسماء والرسائل والأعمار والمهن


وانطلاقاً من هذا الإعلان، قامت مؤسَّسة OGN بتخزين نسخة من محتوى الشبكة، لكي تكون متاحة للمستخدمين حتى يتمكَّنوا من استرجاع حواراتهم وصورهم المسجّلة فيها بعد سنوات عدة من الإغلاق.
استطراداً، إنَّ ما حصل في نيوزيلاندا أخيراً قد يدفع فايسبوك إلى التفكير أكثر في الحلول التي قد تساعد في اكتشاف الفيديوهات التي تعرض مشاهد تؤثّر في سلوكيات الأفراد والأطفال. طبعاً، هذا الأمر من الصَّعب تحقيقه بسهولة، لأن هذه التطبيقات بحاجة إلى الكثير من المعلومات المرتبطة بالفكر البشري وباللغة، وهي أمور تعدّ من ضمن أبرز الصعوبات في تحقيق نتائج تصل إلى نسبة 100% في هذا المجال، ولكن من الممكن بناء تطبيقات لا تسمح بنشر الفيديوهات مباشرة إلا بعد مرور لحظات كافية للتأكّد منها، كون هذه العملية ممكنة من الناحية التقنية، لأن خوارزميات فايسبوك تتحكَّم بكل العمليات المتعلقة بالنشر على أنواعه وأشكاله.
أخيراً، لن ننسى أنّ فايسبوك هو تطبيق معلوماتيّ من الممكن في أيِّ وقت من الأوقات أن يتوقّف، أو أن يتحوَّل إلى تطبيق ذي خدمات مختلفة. لهذا، على كلِّ مستخدم أن يكون محترساً، فكلّ مرة ندخل فيها إلى الإنترنت نترك أثراً، وعلى هذا الأثر أن يكون مشرفاً.

* أستاذ محاضر في الألسنية المعلوماتية والإعلام الرقمي في الجامعة اللبنانية