مَن قرأ أول من أمس بياني إدارة تلفزيون «المستقبل» والموظفين اللذين سرّبا داخلياً، لا بد من أن يلتقط إشارات واضحة حول مسرحية أعدّت ونفِّذت، ويبدو أنّها نجحت لتطيّر عدداً كبيراً من الموظفين خارج أسوار «المستقبل»! كان الموظفون قد دخلوا في سلسلة خطوات احتجاجاً على تقاعس الإدارة عن إعطائهم حقوقهم المتراكمة منذ عامين: تغييب نشرة الثالثة الرئيسية، وموجز الثانية عشرة يوم الأربعاء، ثم تأخير بث برنامج «عالم الصباح» لربع ساعة قبلها، وتضامن العاملين في استديوات «بيروت هول» للمرة الأولى مع زملائهم في المحطة الزرقاء... كلّها خطوات تصعيدية حازمة، لكنها انتهت إلى التضحية بالموظفين الصغار، الذي راحوا وقوداً في حرب الكبار داخل المحطة! ففي نهاية المطاف، وُضع هؤلاء أمام أمر واقع يرضي الإدارة بشكل أساسي، ألا وهو الاستغناء عن نحو 50% من الموظفين. وطبعاً، هذا الاستغناء سيطال الذين يقبضون رواتب متواضعة، وقد أوصلتهم الإدارة إلى أوضاع اقتصادية واجتماعية صعبة، حتى باتوا لا يملكون حق شراء ربطة خبز، للدلالة على سياسة هضم الحقوق التي انتهجتها إدارة «المستقبل» منذ عامين، ولم تطل كبار الموظفين ممن ظلوا يتلقون رواتبهم العالية طيلة هذه الأزمة.

اجتماع أول من أمس الإداري بين رئيس مجلس إدارة «المستقبل» رمزي جبيلي، وحسين الوجه، وعماد عاصي، أفضى ــــ كما أُبلغ الموظفون ــــ إلى وضع مسؤولية الأزمة المالية للقناة، على عدد الموظفين الكبير! إذاً، تمخّض الاجتماع عن قرار يقضي بالاستغناء عن عدد كبير منهم، «كرمال يقدر يكمل التلفزيون» كما وشى مضمون التسجيل الصوتي (عبر واتساب)، الذي أرسلته الإدارة إلى الموظفين. التسجيل تحدث عن مهلة شهرين لصرف هؤلاء «very soon»، وتقسيط رواتبهم المتراكمة على مدى 16 شهراً، في مقابل «طمأنة» البقية بأن هذه الآلية وحدها التي ستنقذهم، وتعيد إليهم رواتبهم الكاملة! جرّاء قرارات هذا الاجتماع، ثمّنت الإدارة قرار «العودة عن الاعتكاف»، وادّعت أن الموظفين «أبدوا تفهماً كاملاً لما طرحته الإدارة في الحرص على حقوقهم». في هذا الوقت، انتشر بيان آخر، نُسب إلى الموظفين، يلفتون فيه إلى تعليق الاعتكاف، بناء على الوعد الذي قدمه جبيلي بصرف رواتب كاملة للموظفين (علماً أن هذه الآلية معتمدة منذ أشهر بتلقي الموظفين رواتبهم الناقصة بين 20 و21 من كل شهر). وكشف البيان عن تأليف لجنة ترمي إلى «متابعة تنفيذ الخطة» ضمن مهلة شهرين، وهدّد بأن أيّ «إخلال بتنفيذ الخطة»، فإن «الاعتكاف سيعود بشكل تلقائي».

انتهت المسرحية بخطة لصرف نصف الموظفين في القناة


خلاصة هذين البيانين تمثيلية مُحكمة بين طرفين، حيث قَبل جزء من الموظفين أن يضحوا بزملاء لهم، وأن يغرّر بهم بأن رواتبهم ستصل إليهم كاملة وسيستعيدون حقوقهم، عبر تطيير رؤوس صغار الموظفين. الأكثر غرابة هنا أنّ الموظفين قبلوا بهذه التسوية التي لم تقدّم لهم شيئاً في الواقع، فالراتب الذي سيتلقونه اليوم، كان مبرمجاً مسبقاً بأن يستحصلوا عليه شهرياً. فما الذي دفع بالموظفين إلى القبول بقرارات الإدارة التي حقّقت مرادها في «تخريجة» مبطّنة لصرف الموظفين؟ خطوة تريحها ولا تدينها علنية، في مقابل التضحية بنحو نصف الموظفين، وإعطائهم مستحقاتهم «بالقطّارة». بات المصروفون تعسفاً أناساً تحملوا لأشهر طويلة، تبعات رزوحهم تحت وطأة حرمانهم من مستحقاتهم، واليوم يُصار إلى طردهم هكذا، من دون أن تكون لديهم الفرصة في تأمين عمل، أو حتى سداد ديونهم. فالمبالغ الصغيرة التي سيتلقوها، على وقت طويل نسبياً (سنة ونصف السنة)، لا تساعدهم في شيء غير ازدياد الضغوط عليهم، وتعليق مصائرهم كأكباش فداء لمسرحية «المستقبل»!