تعيش mtv، هذه الأيام على كوكب آخر، ترتدي ثوب «الثورة» وتلفّ استديواتها بالأعلام اللبنانية، وأعناق مراسليها وموظفيها كذلك. «لبنان ينتفض» الشعار الذي سرقته المحطة من الهاشتاغ الرائج على تويتر لحظة ولادة الانتفاضة الشعبية، ووضعته إلى يسار الشاشة، وأبرزت عبارة «استقيلوا» على خلفية نشراتها الإخبارية. تريد المحطة اليوم إخبارنا، بأن الحراك الشعبي ولد من «النقاش»، ثم عاد وانتشر بهذا الزخم أول من أمس في حلقة «صار الوقت»، التي امتدّت على أربع ساعات على الهواء. تسيّدت الأعلام اللبنانية المشهدية، وصورة المتظاهرين في ساحة «الشهداء» رسمت كخلفية وراء كرسي مارسيل غانم. بعث لنا البرنامج، بخبر عاجل يدعونا إلى مشاهدة «المقدمة النارية» لغانم، التي سبقتها قبل شهر مقدمة من نوع آخر، تصف من يتهجّم على حاكم «مصرف لبنان» بـ «الجاهل»، وتمتدح سعد الحريري، وتصوّر الرجلين على أنهما المنقذان العظيمان للعملة اللبنانية.


مارسيل غانم

ركل غانم هذه المقدمة، واتكأ على الذاكرة القصيرة لدى المشاهدين. وقام بوصف ما يقوم به الساسة بـ«الفجور»، إزاء ما يحصل على الأرض، وبأنهم لا «يملكون ذرة كرامة». في هذه الحلقة التي خلت من الوجوه السياسية التي اعتاد على استضافتها البرنامج والتطبيل لها، لا سيما من الصفوف الأولى أمثال: رياض سلامة، سعد الحريري، وليد جنبلاط وغيرهم. أتى بوجوه أخرى، من نشطاء وخبراء اقتصاد، وصحافيين وسينمائيين في محاولة لطمس الذاكرة القريبة، وإخفاء معالمها. في المقدمة المذكورة، ادّعاء واضح بأن من استديو «صار الوقت» انطلقت الثورة، وحصل ما كان يدعو إليه الإعلامي اللبناني من انتفاضة على «العهد» والرئيس.
كنا في هذه الحلقة أمام مشهدية ممسرحة كانت مفضوحة إلى هذا الحدّ، ولعل أبرزها، كلام إحدى المشاركات عن التمويل، وذكرها قناة mtv، ليخرج علينا فجأة رئيس مجلس إدارة المحطة ميشال المر، من خلف الكواليس، كأن هذا الأمر كان مدبراً، ومعدّاً سلفاً. وقف المرّ إلى جانب غانم، وأشاد بفريق عمله الذي يعمل 19 ساعة في النهار، ويتوزّع على 800 شخص يعملون من أجل «الثورة»! ردّت هذه المشاركة عليه بمديح أكبر لقناته: «أنتو تي. في الثورة والحرية والاستقلال». يعلو التصفيق في الاستديو عالياً، يخرج المرّ، ليحلّ مكانه الدستوري شبلي الملاط، الذي قدّم لوحة مسرحية معتبرة، عبر كلام حماسي وشعبوي بثّه في الاستديو، وعادت وسائل التواصل الاجتماعي، للترويج له. الملاحظ هنا، أن البرنامج الذي عادة ما يخصّص مقاعده الشاسعة في الاستديو لممثلي الأحزاب، ألغى المشهد هذه المرة لصالح «نشطاء» و«ثوار» من الميدان. في الوصلة التي قدمها الملاط، دعوة إلى نسف «اتفاق الطائف»، وتغيير الدستور اللبناني، وسط تصفيق وهتافات سادت الاستديو تردّد «ثورة ثورة».
في حلقة أول من أمس، كنا أمام مشهدية ممسرحة ومفضوحة

بدا المشهد هنا، مضحكاً، كوننا كنا أمام حلقة تلفزيونية استعراضية، معدة كواليسها مسبقاً أكان في مضامين مداخلات الجمهور، أو حتى في لعبة التفاعل داخل الاستديو (تصفيق وهتافات..). الملاط الذي بدا هنا، كدستوري «منقذ» للوضع الحالي، عاد ورفع «الدوز» أكثر عندما قال: «أي واحد فيكم بفتخر فيه أكثر من رئيس جمهوريتي»، ليكتمل المشهد ويعلو التصفيق والحماسة. وفي اليوم الثاني أي أمس، انتشرت التغريدة الشهيرة التي توجه فيها إلى وزيرة الخارجية الإسرائيلية السابقة تسيبي ليفني يقول لها فيها بالإنكليزية، باسم «الغالبية العظمى من اللبنانيين لا نريد حرباً مع إسرائيل»!
أربع ساعات على mtv أمس، بدت كأنها معزولة عن باقي المشهد اللبناني، عن الذاكرة الوطنية، عن كلّ ما من شأنه ببضعة أعلام، ومشهديات وطنية، أن يصنّف المحطة ضمن الحراك الشعبي. أكثر من ذلك، أضحت لعبة «صار الوقت» مكشوفة، وهذه المسرحة لا شك في أنها مفضوحة، ولن تضع البرنامج ومقدمه على خارطة «الثوار» بعد خلعهما أثواب التطبيل للسلطة.