عندما دخل الطبيب والشاعر السوري الشاب عمرو كيلاني مبنى الـ «زيكو هاوس» في بيروت، كانت طاقته الإيجابية تملأ المكان، وبسمته المعتادة تسبق خطواته، لكن حالما فتح كمبيوتره الشخصي ودخل الشبكة العنكبوتية، تحوّلت البسمة إلى دهشة المصدوم بفاجعة: «لقد مات عمر عزيز في أقبية الاستبداد». قالها الشاعر المرهف وهو يحدق بأصدقائه قبل أن ينفجر بالبكاء مردداً «عمر خسارة. خسارة لكل سوريا».


الناشط والمثقف السوري المعروف عمر عزيز (1949ـــ 2013) آلم كل من عرفه برحيله أول من أمس، لأنه لم يعرف يوماً إلا أن يكون سهلاً ومرناً ومهذباً حتى مع أصدقائه الشباب الذين يجايلون أبناءه. وقد لفت الأنظار عندما عاد إلى سوريا مع بداية الأحداث للوقوف إلى جانب الحراك الشعبي السلمي يومها. لكن لقبضة الاستبداد دائماً رأي آخر! هكذا، أغلق المثقف السوري دفة كتاب حياته ورحل بعدما اعتقله فرع الأمن الجوي في دمشق في 20 تشرين الثاني (نوفمبر) من العام الماضي. وقبل ثلاثة أيام من وفاته، نُقل إلى سجن عدرا المركزي حيث وافته المنية بسبب أزمة قلبية وفق ما ذكرت بعض المصادر الرسمية. بينما أكد ناشطون سوريون في أكثر من منبر بأن عزيز استشهد تحت التعذيب، خصوصاً أنّه يعاني من أمراض مزمنة عدة. ورغم أنّ الموت هو السمة الظاهرة لعاصمة الأمويين هذه الأيام، إلا أنّ لمشهد رحيل المثقف وأستاذ الاقتصاد المجاز من جامعات فرنسا وقعاً خاصاً. لطالما تكرّر هذا المشهد منذ اندلاع الانتفاضة السورية مع عشرات الناشطين الذين تغصّ بهم سجون الاستبداد، فأزهقت أرواحهم هراوات السجّانين، كأن هؤلاء الناشطين وآخرهم الراحل عمر عزيز يسخرون من همجية التعذيب بتسليم أرواحهم ورحيلهم الأخير من دون يمحي موتهم أثر خطواتهم في هذه الحياة.
إذا، أضيف إلى قائمة الشهداء السوريين اسم جديد، وإن صارت أخبار الموت هي الأكثر تداولاً في سوريا، إلا أنّ الصدمة بدت واضحة من خلال الصفحات الإلكترونية للناشطين والمثقفين السوريين أمس. علّق الكاتب والمعارض السوري فايز سارة: «رغم كل معلوماتي ومعرفتي بوحشيتهم، أكاد لا أصدّق أنّهم قتلوا عمر عزيز. الرجل بجسده الرقيق الناعم، بعمره القريب من الشيخوخة، بأفكاره البسيطة السهلة، بكلماته الناعمة التي تأتي على بساط من حرير، بأخلاقه الرفيعة، بدماثته الإستثنائية، بإيمانه بالمساواة والعدالة وببعده عن أي روح وفكر وانتماء ما قبل الوطنية بعمقها الإنساني. أكاد لا أصدق أنّ وحشاً يمكن أن يقتل هذا الرجل. لكن ذلك حدث. وحش استثنائي قتل عمر عزيز. العار للقاتل واللعنة عليه، الرحمة لعمر». بينما احتلت صورة الراحل صفحة الممثلة مي سكاف والإعلامية والناشطة ميادة الخليل وصفحات عدد كبير من مرتادي الموقع الأزرق. وحتى الآن، لم يصل ترامواي الوجع السوري إلى محطته الأخيرة. دولة الحضارات لم يحكم عليها بخسارة آثارها وتراثها ومواقع الجمال فيها فقط بل هي على موعد شبه يومي بخسارة طاقاتها الفكرية والعلمية. وها هو عمر عزيز يترجّل تاركاً بلده المجروح ينزف إلى أجل غير مسمى.