فجأةً، انتبه الإعلام الأميركيّ والأوروبيّ، الذي يمثّل الرأي العام السياسيّ الغربيّ، أنّ مصر ليست مجرّد منتجع سياحيّ ضخم وآمن، ومناسب لممارسة هواية الغطس وزيارة الآثار الفرعونية العظيمة. وهو كان قد اكتشف منذ أسابيع أنّ تونس ليست مجرّد مرتع رخيص السعر نسبياً لجحافل السيّاح، لكن قبل ذلك، كانت كل وسائل الإعلام الغربية، وخصوصاً الفرنسية منها، متعطّشة لشمس جربا ولشواطئها الدافئة، أو مولعة بأوانيها المصنوعة من الفخّار. وكان هناك إقرار ضمني


، بأن من حق الطبقات الوسطى الغربية ـــــ التي قامت على رفاهية اقتصادية، قامت بدورها على تخلّف اقتصاديّ شامل لسائر ما يُسمّى «بلدان الجنوب» ـــــ أن تتنعّم بإجازاتها السنوية والموسمية في المستعمرات السابقة، وأن يجري بالتالي توفير كل وسائل الأمان والتسلية والراحة لها. ولم يكن ليرِدْ في ذهن هذا الإعلام المستنفَرّ هذه الأيام، أن ينقل من تونس أو من مصر غير أخبار السياحة المزدهرة على قدم وساق، مثل انتشار سمك البحر الأحمر على اختلاف أجناسه وألوانه، وانفلات ليالي الحمّامات العامرة بأجناس وأصناف الهوى الأسمر اللون.
لكن فجأةً انتبه هذا الإعلام إلى أنّ مصر يحكمها منذ ثلاثين سنة نظام استبداديّ فاسد، هو عبارة عن عصابة حوّلت البلاد والعباد إلى شركة خاصّة مساهِمة في ضخّ المال في جيوب العصابة، وأنّ تونس يحكمها دكتاتور منذ ما يقارب ثلاثة عقود، وأنه يدير هو أيضاً، ومعه العائلة الحاكمة، كلّ ممتلكات الدولة. فيا لهول ما اكتشفوا! استُنفَرَت الفضائيات، وجُيّشَت الحملات الإعلامية، وأُرسِل المراسلون، وقُرعت طبول حرّية الإعلام، وهاجت هائجة المؤسسات الحقوقية والإنسانية: في مصر نظام استبداديّ قمعيّ هاجَم الإعلام! في تونس دكتاتور يقمع الصحافة والحريات... يا للهول!
أما عندما كانت تغطّي الإعلانات السياحية الضخمة عن تونس ومصر جدران محطات قطار الأنفاق في باريس وغيرها من عواصم «العالم الحرّ»، فلم يكن للاستبداد والدكتاتورية وجود... من حقّ الشعوب التي تنعم بالديموقراطية أن تتمتّع بالسياحة عند الشعوب المستَبَدّ بها: «ماذا يريدون منا؟» كانوا يقولون، ثمّ يضيفون «نحن نؤمّن لهم دخلاً هائلاً من خلال السياحة، ونعقد معهم الصفقات التجارية، ونفتح فروعاً لمصانعنا عندهم، وعلاوة على ذلك نستقبل المهاجرين منهم في بلادنا، وندفع لهم المساعدات الاجتماعية! ألا يكفي هذا؟ لمَ الحريات، ولمَ الديموقراطية، ولمَ حقوق الإنسان، ولمَ كلّ هذه الكرامة لشعوب خانعة وراضية بحكّامها؟ تبّاً لها، إنها تستحقّ حكامها المستبّدين لأنها شعوب كسولة ومتخلّفة». هذا هو الخطاب الذي كنا غالباً ما نسمعه نحن العرب في الغرب. أما عندما كان يزور بن علي ومبارك عواصم «العالم الحرّ»، فلم يكن ثمّة من يتظاهر في الشوارع أو أمام السفارات ليندّد باستقبال الحكومات «الديموقراطية» دكتاتوراً عربياً، بل كانت كل التحركات الاحتجاجية مخصصة لاستقبال الرئيس الصينيّ (ولا ندافع هنا عن أحد) القامع لحرية الرأي في بلاده. أما نظام بن علي، فكان بإمكانه أن يستمرّ في زّج المعارضين في السجون، وفي كبت الصحافة، وفي قمع كلّ الحريات... لا بأس، فهو حليف الحكومات «الديموقراطية»، ونظام مبارك كذلك.
وفيما يكتشف هذا الإعلام الغربي أنّ في مصر وفي تونس أنظمة مستبدّة وفاسدة، يكتشف أيضاً أنّ فيها شعباً حيّاً، وأنّ هذا الشعب ليس مكوّناً فقط من مرشدين سياحيين، وبائعي تذكارات، ومتسوّلين، وبعض النُخَب الممسوخة فكرياً على شاكلة مستعمريها... بل فيه شبّان، وشابات حوّلوا ابتكارات الغرب التكنولوجية إلى أدوات تفكّ القيود المفروضة على حريتهم من جانب أنظمة حليفة للغرب، وتعيد الدم النابض إلى عروق الكرامة.
السؤال إذاً: أين كنتم يا «أحرار الإعلام الحرّ» خلال العقود الثلاثة الماضية؟ هل كنتم على علم بأنّ أنظمتكم هي التي أنشأت، ودعمت، وموّلت، وحمَت نظامَي مبارك وبن علي؟ ولمَ لم تسلّطوا الضوء إلا في ما ندَر على الجرائم التي ترتكبها هذه الأنظمة الاستبدادية بحقّ شعوبها؟ أم أنّ إعلامكم لا يقوم بحملاته الإعلامية إلا عندما تُتيح له أنظمته ذلك؟ لقد سمح صمتكم أيها الإعلاميون «الأحرار» باستمرار ارتكاب المجازر في حق شعوبنا العربية، وباستمرار الإجرام الصهيوني. لم تهتزّ ضمائر مؤسساتكم الإعلامية عند منظر أطفال غزة وهم مقتولون ومشردون... لم تهتزّ ضمائركم عندما كنا نحن، هنا، في لبنان، نتشظّى أشلاءً ودماراً بصواريخ صُنعت في مصانعكم، وحملتها طائرات أسهمت شركاتكم في إنتاجها... لم نجد يومها رأياً إعلامياً حراً عدا بعض الاستثناءات الضعيفة الصوت والصدى.
لذا نقول لكم اليوم، الآن، ومن عبق الكرامة الذي امتدّ من تحرير لبنان إلى ميدان التحرير، مروراً بسيدي بوزيد: إنّ من صمتَ طوال كلّ هذه السنين، لا يحقّ له أن يتكلّم الآن!
ونقول لحكوماتكم التي تدير إعلامكم فتوهمكم بأنه «حرّ» إنّه لا فرق بينكِ وبين أتباعكِ من الأنظمة المستبدّة في رقاب شعوبها، وإنّ إسقاط هذه الأنظمة لا بد من أن يكون إسقاطاً للتبعية، أي إسقاطاً للسيّد قبل أن يكون إسقاطاً للتابع.
يا لبئس هذا الإعلام الذي يلتهي الآن بالهجوم على وزيرة الخارجية الفرنسية ميشال آليو ماري لأنها استقلّت طائرة خاصة تابعة لشركة يملكها أحد المقرّبين من عائلة بن علي، وذلك خلال تمضيتها إجازة عيد ميلاد في تونس. نقول «يلتهي» لأنّ على هذا الإعلام إن كان فعلاً «حراً» أن يحاسب كلّ حكوماته التي دعمت نظام الاستبداد في تونس وغيرها.
* أكاديميّة ومترجمة



الرقابة في لبنان


«الرقابة على حرية الرأي والتعبير في لبنان» هو عنوان الندوة التي يستضيفها «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي» عند السادسة من مساء الغد في مقرّه البيروتي. يشارك في الجلسة المحامي نزار صاغيّة («مرصد» ـــ تحرّك من أجل إعادة النظر في قوانين الرقابة في لبنان)، والناشطة الثقافيّة هانية مروّة (الصورة ــ «متروبوليس»)، والزميل بيار أبي صعب. تدير النقاش عضوة الهيئة الإدارية للمجلس الزميلة مهى زراقط. (شارع المزرعة، خلف محطة بدران).