قال الشارع الجزائري كلمته أمس، في سابع جمعة منذ انطلاق الحراك، والأولى منذ استقالة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة مساء الثلاثاء الماضي، رافضاً المسار القانوني لإدارة المرحلة الانتقالية وفق المادة 102. وفي التظاهرات التي كانت متوقعة، غزا شعار «ترحلون جميعاً» مسيرات العاصمة، في تأكيد على رفض المحتجين تولّي وجوه النظام الحالي قيادة العملية الانتقالية، وخصوصاً منهم الوزير الأول الحالي نور الدين بدوي، ورئيس مجلس الأمة عبد القادر بن صالح، الذي سيتولى الرئاسة بالنيابة وفق آليات المادة 102، وكذلك رئيس المجلس الدستوري الطيب بلعيز، الذي يبقى وفق الفقرة السادسة من المادة 102 مرشحاً لشغل منصب الرئيس بدلاً من بن صالح في حال رفض الأخير توليه. لكن الأسماء الثلاثة تلك مرفوضة شعبياً، على اعتبار أن الأول يرأس حكومة تصريف الأعمال بتعيين مِمَّن وصفهم الجيش بـ«العصابة» التي تتحكم بالسلطة، وأن الثاني يشغل رئاسة مجلس الأمة منذ عام 2002 بتعيين من بوتفليقة، وأن الثالث، المعروف بولائه المفرط للرئيس المستقيل، رفض التجاوب مع دعوة الجيش إلى تطبيق المادة 102. أما الجيش، فقد بدا المتظاهرون حذرين حياله؛ إذ لم تُسمع هتافات ضدّ رئيس أركانه أحمد قايد صالح، وإن رفعت شعارات تدعوه إلى ترك السياسيين يديرون المرحلة الانتقالية.

مرحلة لا يرفض المتظاهرون أن تُدار من قِبَل من يعتبرونهم «رموز السلطة» فحسب، بل هم يرفضون إطلاقها على أساس المادة 102، كما لو أن استقالة الرئيس تمت وفق الأطر الدستورية. إذ يرى البعض أن إيداع الرئيس السابق استقالته لدى المجلس الدستوري لم يكن بالاعتماد على المادة المذكورة التي توجب الاستقالة في ثلاث حالات هي: الوفاة أو الاستقالة أو العجز، وأن ظروف تطبيق المادة كانت متوفرة منذ سنوات، أو على الأقلّ منذ الأيام الأولى للحراك، بسبب عجز الرئيس. وعليه، يعتقد هؤلاء أن الرئيس طبّق المادة 102 في استقالته خضوعاً لضغوط الجيش، وهذه جزئية لا يرفضها الشارع، بل رحب بها يوم الاستقالة، لكنه يرفض تطبيق الإجراءات التي تلي الفقرة الأولى من المادة 102.

يرفض المتظاهرون كلاً من بدوي وبن صالح وبلعيز على اعتبار أنهم من «رموز النظام»


ما سبق، يضع الجيش، الذي يتصدى للمبادرة في طرح حلول تلبّي تطلعات المحتجين، أمام مهمة صعبة قد تؤدي إلى خرق الدستور أو سقوطه، الأمر الذي يفتح الباب، وفق مراقبين، على واحد من احتمالات أربعة:
أولاً، المضيّ في آليات المادة 102 رغم رفض الشارع، وهو خيار مستبعد؛ كون الجيش يخشى استمرار الأزمة في ظلّ أزمات مشتعلة حول الجزائر، مثلما في ليبيا. كما أن فترة الثلاثة أشهر المحددة في المادة المذكورة قد لا تكون كافية لإدخال تعديلات جوهرية على الدستور، وتعديل قانون الانتخابات، وصولاً إلى دستور جديد.
ثانياً، تعيين شخصية جديدة مقبولة من الشارع على رأس مجلس الأمة، لتتولى هي رئاسة الدولة، وتدير المرحلة الانتقالية. لكن بالنظر إلى أهمية الصلاحيات المعطاة لهذا الرئيس المؤقت، يشكل اختيار شخصية تستطيع القيام بها تحدياً للسلطة والمعارضة في آن، لا يساعد الوقت في تخطيه.
ثالثاً، أن يقبل الشعب والجيش معاً بمقترحات المعارضة، وهي إما تشكيل «هيئة رئاسية» من شخصيات توافقية، أو تكليف شخصية وطنية لإدارة المرحلة الانتقالية، أو حلّ المجلس الدستوري وتعويضه بالمحكمة العليا، كما اقترح رئيس الحكومة الأسبق، علي بن فليس، لإعطاء القضاء دوراً أكبر في العملية الانتقالية، أو إعادة فتح المسار الانتخابي من قِبَل المجلس الدستوري كما لو أنه لم يتوقف، من خلال بتّ صحة ملفات الترشح المودعة لدى المجلس الشهر الماضي، كما طالب اللواء المتقاعد علي غديري. لكن هذه الخيارات تبقى عسيرة التطبيق، لأن التوافق على أحدها بين الشعب والمؤسسة العسكرية والوسائط السياسية التي كانت تعمل في عهد بوتفليقة، يبدو صعباً.
رابعاً، وهو المرجّح، ذهاب الجيش، الذي يحدد الدستور إحدى مهماته بـ«حماية السيادة الشعبية»، إلى «إعلان دستوري» لإمرار المرحلة الانتقالية، وهو عبارة عن «دستور مختصر» مكون من مجموعة من المواد القانونية، يسمح للسلطة الحاكمة بتنظيم الدولة في حالة سقوط الدستور بصورة قانونية، حتى يتم وضع دستور جديد. ومن المتوقع أن يعتمد الإعلان الدستوري هذا على المادتين 7 و8 اللتين تنصان على أن السلطة تُستمد من الشعب.