يوم 10 كانون الأول / ديسمبر 2010، في مهرجان سياسي بمدينة ليون، قالت مارين لوبن، نائبةُ والدها جان ماري لوبن في رئاسة الجبهة الوطنية الفرنسية (أقصى اليمين) إنَّ أداء المسلمين الصلاةَ في الطريق العام هو «احتلالٌ ولو كان من دون مدرعات أو جنود»، مشبّهةً إيّاه بالاحتلال النازي. وأكّّدت بعدها بأيام (14 كانون الأول / ديسمبر 2010)، في حديث لقناة «أوروبا 1» التلفزيونية أنّ «مثل هذه التصرفات تناقض قيم فرنسا العلمانية الجمهورية». ونفت أن يكون سببُ الصلاة على الأرصفة نقصَ المساجد، فمسجد شارع ميرا في باريس، حسب قولها، «يؤمه الناس من كلّ المحافظات المجاورة» (أي بعبارة أخرى أنّهم يقصدونه لأسباب سياسية).


ليست هذه أوّلَ مرة تحوّل فيها الجبهة الوطنية قضيّةَ نظام عام إلى مسألة سياسيّة مركزية وتصوّر «المهاجرين من أصول إسلامية» بعبعاً يُهدّد نمط حياة الفرنسيين، فالمزاوجة بين «تفاقم الهجرة» و«فقدان فرنسا ثقافتها» هي إحدى مميزات دعايتها منذ تأسيسها سنة 1972. ولا أدلّ على ذلك من أنّ ملصق قوائمها للانتخابات الإقليمية في آذار / مارس 2010 كانت خريطةً لفرنسا وقد التفّ عليها العلمُ الجزائري. ما يجب ملاحظتُه في تصريحات مارين لوبن أمران اثنان.
الأول هو حديثُها عن العلمانية على طريقة اليمين الفرنسي الديغولي والحزب الاشتراكي، أي بما يناقض ميراثَ حزبها المطبوع بهوس «هوية فرنسا المسيحية». وقد كان أبلغ مثال على هذا الهوس اتخاذ جان دارك، بطلة «حرب المائة سنة» ضد الإنكليز (1337 ــــــ 1453) رمزاً لفرنسا كاثوليكية أزلية كان أصلاؤها (ولا يزالون) يقاومون «الغزو الأجنبي». وتصويرُ هذه القديسة قوميةً فرنسية رغم أنّ جيشَها كان يضمّ، فضلاً عن الفرنسيين، إسكوتلنديين وإيطاليين وأجناساً أخرى كثيرة.
الأمرُ الثاني هو أنّ تشبيه «الاحتلال الإسلامي» لأرصفة بعض المدن الفرنسية بالاحتلال النازي إدانةٌ غير مباشرة لهذا الأخير، ما يتعارض أيضاً مع ميراث حزبها الذي طالما تفادى انتقادَ تعاون حكومة فيشي (1940 ـــــ 1944) بقيادة الجنرال بيتان مع الرايخ الثالث. وشكّك حزبها تاريخياً في صحة الجرائم الهتلرية، وخصوصاً ترحيل اليهود الأوروبيين وإبادتهم (في تصريح للصحافة يوم 13 أيلول / سبتمبر 1978، وصف مؤسسُ الجبهة، جان ماري لوبن، المحرقةَ بأنّها «تفصيلة من تفاصيل تاريخ الحرب العالمية الثانية»).
وأعطت مارين لوبن إشارات عدّة أخرى إلى محاولتها إجراء قطيعة نسبية مع بعض الموروث الأيديولوجي لأقصى اليمين الفرنسي، منها تعبيرُها في تجمع بمدينة مونبيلييه في 4 كانون الأول / ديسمبر 2010 عن رفضها فتحَ أبواب الجبهة لمجموعات «راديكالية كاريكاتيرية عفى عنها الزمن». وذكرت من هذه المجموعات «الكاثوليكيين الأصوليين» و«البيتانيين» (أي المدافعين عن سياسة الجنرال بيتان الموالية لهتلر) و«المهووسين بالمحرقة» (أي الذين يمضون وقتهم في نفي وجودها أو التقليل من بشاعتها).
ويقرّب إلحاحُ مارين لوبن على واجب «احترام العلمانية» وإدانتُها الضمنية للاحتلال الألماني، خطابَها من خطابات تنظيمات اليمين الأوروبي الجديد، كحزب الحريّة الهولندي وحزب الرقيّ النرويجي، التي لا أثرَ فيها لهوس الانتماء المسيحي ولا لمعاداة اليهود (بل يخلط هذان الحزبان خلطاً فاضحاً بين رفض هذا الشكل من العنصرية ومساندة دولة إسرائيل الاستيطانية). كهذا اليمين الجديد أيضاً، استعارت نائبةُ رئيس الجبهة الوطنية من بعض أقطاب اليسار الليبرالي الفرنسي (مثلاً حركة Riposte laïque أي «الرد العلماني») تبريرَهم منع الحجاب بالدفاع عن حقوق النساء وتقييدَ بناء المساجد بما يمثّله من مخاطر مزعومة على النظام العلماني.
يقول جان إيف كاموس، وهو باحثٌ فرنسي مختص في دراسة تيارات أقصى اليمين (الأسبوعية الفرنسية Le Nouvel observateur، 15 كانون الأول / ديسمبر 2010)، يبدو هذا التطوّر في خطاب الجبهة الوطنية «تطوراً جيلياً بالأساس» (évolution générationnelle). على عكس سيرة أبيها، ليست سيرة مارين لوبن مطبوعة بهاجس المحافظة على «ثقافة فرنسا الكاثوليكية» ولا بتقاليد التهوين من جرائم الفاشية والنازية. ويعني كونُ هذا التطور «جيلياً» أنّه ليس ثمرة نقاش سياسيّ داخلي عُدّلت في ضوئه أيديولوجيا الحزب بما يتلاءم وضرورات تشبيب قواعده أو توسيعها. من هذا المنظور، بقدر ما يبدو لهذه السياسية الشابة ولأقرانها من مستقبل زاهر في هرم القيادة، يفيد استحالةَ حدوث قطيعة راديكالية مع موروث أقصى اليمين الديني المعادي لليهود، وخصوصاً أنّ أباها لا يزال أحدَ رموزه رغم محاولته الظهورَ بمظهر السياسي البراغماتي.
ويميّز هذا الصراعُ بين الأجيال، الجبهةَ الوطنية عن حركات اليمين الأوروبي الجديد التي لا تعرف له مثيلاً. فمؤسّسو هذه الحركات وقادتها شبابٌ لم يعيشوا الحرب العالمية الثانية ولم يتمزّقَ أقصى اليمين الأوروبي بين قوميته المتطرفة وإعجابه بالنازية والفاشية إلى حد اتخاذهما نموذجين إيديولوجيين وتنظيميين له.
ويصعّب ماضي الجبهة الوطنية الأيديولوجي (أهميّة الهوية الكاثوليكية، التشكيك في المحرقة، إلخ...) مشروعَ مارين لوبن تحويلها، عن طريق «معركة داخلية»، إلى حزب يميني على شاكلة حزب الحرية الهولندي أو حزب الرقي النرويجي. لذا يبدو أنّ طموحَها الرئيسي هو توسيعُ قاعدتها باكتساب أنصار جدد في أوساط اليمين التقليدي، وخصوصاً التجمّع من أجل الوحدة الشعبية (تنظيم الرئيس نيكولا ساركوزي). وكان هذا التجمع قد جذّر مواقفَه المناوئة للمهاجرين في السنوات الأخيرة أملاً في منع أكثر أعضائه يمينية من الالتحاق بحزب لوبن (تعقيد إجراءات الحصول على تأشيرة دخول الأراضي الفرنسية، التصويت على قانون شباط / فبراير 2005 الممجد لـ«مآثر فرنسا وراء البحار»، أي للاستعمار، فتح نقاش سوريالي عن «الهوية الوطنية الفرنسية»، إلخ).
ويُطرح السؤال: إلى أين يؤدّي تجاذبُ اليمين التقليدي الفرنسي وأقصى اليمين؟ هل يؤدي إلى تحالف مكشوف بينهما يحلّ محلَّ التحالفات الضمنية التي يقيمانها لمناسبة الانتخابات المحلية؟ الإجابةُ عن هذه الأسئلة ستتَّضح في ضوء انتخابات 2012 الرئاسية، فتصريحات مارين لوبن الأخيرةُ ليست سوى جزء من استعداداتها لها، رغبةً في تجسيد حلم والدها بأن «يفضّل الفرنسيون الأصليّ على النسخة»، أي الجبهة الوطنية على اليمين الديغولي.
* صحافي جزائري