فُرشت المائدة في المكتب الفسيح للقسم العربي والدولي. اليوم سنجتمع، نحن العاملين في الجريدة، لنتناول الغداء معاً ونودّع السنة. ليس زملاؤنا في القسم أصحاب الدعوة، اختير مكتبهم نظراً لكونه الأوسع، فهم في العادة يتناولون الغداء معاً ونادراً ما يدعون أحداً من خارجهم. في الأمر نزعة استقلالية، كما هي الحال تقريباً مع الأقسام الأخرى، القائمة بذاتها، ويمارس العاملون فيها حياتهم وعملهم بإدارة ذاتية. رغم هذا، الصداقة تخترق الحواجز، ولا سيما في أوقات الطعام والراحة و«النميمة». ذاك ما جعل الزملاء في العربي والدولي يظهرون ولو لمرّة واحدة في السنة، مضيافين وحاتم طي، وإنْ كان ليس على حسابهم. ولا أحد يعبّر، من الأقسام الأخرى، على الأقل أمامي، عن انزعاجه لحصول الزملاء في العربي والدولي على هذا الامتياز الشكلي. وفي الوقت نفسه، لم يعبّر أحد، من الأقسام الأخرى، عن تضامنه مع الزملاء في العربي والدولي، الذين تعطّلت دورة عملهم وأُزيحت مكاتبهم لتحلّ بدلاً منها المائدة العامرة. الجميع فَرِح ولا أحد «هاكل همّ» المشقّة أو المصاريف. الإدارة تولّت ذلك كلّه، فهذه المتجدّدة منذ مدّة، تحاول أن تلاقي الأجواء الأسريّة الشبابيّة... والعفويّة في «جهة» التحرير. ولا بأس بما قامت به، حتى الآن، من تغييرات نحو مأسسة الجريدة داخلياً، ومن ألعاب لمناسبة الأعياد، وإنْ كان الجميع ينتظر المزيد، ولا سيما الضروري. فللأمانة، العاملون في الجريدة قنوعون لا يطلبون أكثر من تغيير الكومبيوترات وتقوية المولّد عندما تنقطع الكهرباء التي تعتّم الجريدة وتُخرج الجميع من مكاتبهم إلى الممر الطويل، والكثيرون يفترشون الأرض كما لو أنّهم في الملاجئ أيّام الحرب.

والوعد بذلك، أي بتغيير الكمبيوترات وتجديدها، متجدّد أيضاً. ننساه ولا يستفيق إلّا في الأوقات الحرجة، عندما «تُتلّت» الكمبيوترات الموجودة، وينشط الزملاء في القسم التقني، ذوو الأيدي السحرية، وقد نمّوا مهاراتهم وقدراتهم في التحايل على الكمبيوترات، إذ باتوا كالميكانيكيين، والكمبيوترات صارت مثل سيارات قديمة أُزيلت منها وظائف كثيرة، تحتاج إلى «الدفش» (الدفع) أحياناً.
مع ذلك، الأجواء هادئة في مكاتب الجريدة والجميع يتصرّف بمسؤوليّة. ينرفز هذا أو ذاك أحياناً، لكن سريعاً تعود الأمور إلى مجاريها، وخصوصاً أنّ الكمبيوترات والصعوبات الأخرى تستوجب التركيز لإنجاز العمل. ماشي الحال. ثمّة ما يعوّض: الجوّ الجميل، الصداقات، الود، الديموقراطية، العفوية، انعدام البيروقراطية. وإنْ كان السبب الأوّل في غياب البيروقراطية، أنّ «الأخبار» تكره ذلك، والنزعة السائدة فيها ضد النظام والمكتبيّة، ولكونها «مؤسسة» صغيرة تكبر خارج نفسها. ورغم ذلك الجميع يريدون، وإنْ كان الأمر ليس طموحاً، إدارةً تهتمّ بهم وبأمورهم، ربّما كأبناء يعبثون ببيت العائلة وتقديمات الآباء.
الجميع رأى الجميع يأكل على عجل في المكاتب، أو بهدوء وخصوصيّة في الكافيتيريا، عند أمّ علي وتوفيق. وكثيرون دخلوا الكافيتيريا أو المكاتب ووجدوا السفرة ممدودة فمدّوا أيديهم وشاركوا أصحاب الطعام الوجبة، وربما بحثوا في البرّاد عن طعام أودعه أحدهم، كما نفعل عادةً في مطابخنا، فالتهموه دون استئذان أو أسف. لكن اليوم الوضع مختلف. ليس لأنّ الداعي هو الإدارة الحريصة على راحة العاملين وصحّة كل واحد منهم، كما قالت زميلتنا ريما إسماعيل عندما أقنعتنا بعرض التأمين الجديد، بل لأنّنا مجموعون حول مائدة واحدة، في مكاتب الجريدة حيث نمضي معظم أوقاتنا ونبدّد حياتنا.
لماذا سافر إبراهيم أمس، وهو ليس بيننا الآن، رغم علمه الأكيد بهذه المائدة التاريخيّة. هذا الرجل لا يريد أن يخون نفسه باقتحام الموائد بالصدفة، ولعلّه ليذكّرنا بالغائب الآخر، الذي لا ينفكّ يحضر، في المكاتب، في الكلمات، في الضحكات التي تخترق الجدران والتوتر والزعل والإحباط، في ارتجال أيامنا ودورة عملنا التي يعتقد كثيرون أنّها مدبّرة ومؤامرة، ويحلو لنا ألّا نكون أكبر من الجنينين في بطنَي زميلتَينا ليال حداد وديانا إسماعيل.