يستحق هذا الحراك أن يتمّ التساهل معه لجهة غموض ما يريده. كان له مع بيروت أكثر من موعد، ليكتشف، مشدوهاً، أنّه حقاً يستطيع أن يهطل على المدينة من خارج مساربها، التي رُسّمت ذات نظام. كان حالماً حدّ السذاجة، جميلاً حدّ الخيال، كأنّه طفل احتفل للتوّ بقدرته على المشي، ولكنّه سيغفل لاحقاً عن طرف سجادة لم يختبرها بعد.


لذلك، من المجحف أن تُقرأ الاحتجاجات الشعبية، فقط لجهة انضباط شعاراتها، وإحكام برامجها. الحراك كان أكبر من الداعين إليه، وأصوب منهم بطبيعة الحال، وهو لن يغفر للقائمين عليه أن يوقفوا الحشد قبل أن يهدأ مشيه، مشي الموجوعين نحو كلّ ما من شأنه أن يضع حدّاً لترنّح حالهم. الموجوعون الذين لا فم لهم، إلا مسارعتهم إلى التظاهر، يعرف هذا الفم أن يقول آلامه بأكثر من شكل وأبجدية، وقد قالها، لكنه سيعجز لاحقاً عن الجلوس إلى طاولة أخذ القرارت، في المرحلة التي ستبرد فيها الحناجر، تمهيداً للملمة ما حدث. الذين نزلوا إلى الساحات، بزخم راكموه رحلة رحلة إلى المطار لتوديع فلذات أكبادهم، شتيمة شتيمة بوجه موظف خامل في دائرة رسمية، منديلاً منديلاً لمسح عرقهم في غرف جلوسهم، التي تعيش في ثقب زمني أسود فاته ما اقترفه طوماس أديسون منذ قرن. هؤلاء يستحقون أن ينتهي ما بدأوه إلى حلمهم الذي طال. من ذا الذي سيتنطح لوراثة هذا القهر؟ أبسط المنطق أن لا يدّعي طرف إلّا القدرة على مجاراته، وربّما التأثير على قنوات تصريفه. في الأيام الأخيرة، بدا أن الشعب تجاوز عتبة «تلقائية الغضب» وصار لزاماً عليه أن ينسب كل الآفات إلى أمّاتها، أن يجتنب النسبة إلى الآباء، ليمنع عن الفاسدين فرصة تجهيل النسب، والتملّص من السّقط بدعوى السفاح. من يعرف شبكة، أو تشريكة النظام، في لبنان، يعرف تالياً أنّ هذا الحراك لن ينتصر بالضربة القاضية، كما يشتهي، لن ينتصر ضدّ هذه الطبقة الحاكمة، من أخبث مسؤول فيها حتى أكثرهم بلاهة. لن ينتصر ضدّهم مجتمعين، ولكنه قد يفعل ذلك بالنقاط مع بعضهم. سيكون إنجازاً أسطورياً إن ظفر الحراك بشقّ هذه السلطة أفقياً، وسيكون «يوم سعده» إن قرّرت جهة ما، غير تقليدية، أن تنقضّ عليه، وتقتنص صرخته، وتبادر إلى وضعها موضع التنفيذ. أمّا أيّ الشقّين أولى بالبقاء، حسناً اقرأوا سيرهم الذاتية، وتجاوزوا عن بلادتهم المزمنة.
للأمانة، السيناريو السابق صعب التحقق، لأنّ ما يجمع نصفي السلطة أكثر تعقيداً من بساطة سطح سياسي منبسط يسهل شقّه. مركب السلطة في النظام اللبناني ينطوي على مواضعات شديدة الحساسية، وأحياناً السخافة، من حيث التوازنات التي يحرص عليها أرباب الطوائف، ويلاحقونها، حتى في فلتات لسان شاب غاضب على منبر مطلبي أعدّ على عجل. ومن نافل القول إنّ أدنى مطلب، يطرحه الحراك، من شأنه أن يعكّر مزاج ميزان الذهب الرتيب، الذي تقيس به الطوائف أوزانها، وحضورها في النظام. يضاف إلى ذلك حسابات المصالح المتبادلة، وأولويات بعض القوى التي تتخطّى بنودها الأجندات المحلية، وهناك حتماً، في مكان ما، سياسيون جرى تلزيمهم مغانم الداخل، ليصار إلى التفرّغ للاستحقاقات الخارجية، هذا فضلاً عن الإقليم، الذي لا يكفّ عن إعطاء الأمثلة المقلقة، عمّا سيكون عليه المجهول الذي يلي هذه السلطة. فقط من يتذكّر وائل غنيم، في المشهد السياسي المصري، هو من سيتذكر الحراك الحالي لاحقاً، لذلك سيكون مثالياً ومأسوياً، على السواء، أن يتواضع هذا الحراك، وأن ينتقي لنفسه خريطة موت صريحة، ويذوب في لحظة يختارها هو بعناية، ليتسرّب في تفاصيل البلد، فيتشرّبه الجميع كلّ حسب عطشه. لا داعي للقلق، فلا شك ّسيشرق به الفاسدون، ذات يوم.
أما هذا الصمت المطبق في الجهة المتوارية، خلف ذلك الجدار الاسمنتي، الذي أزالته الحكومة ولما يزل، فيرجع جانب منه إلى عدم رغبة أيّ كان في أخذ الأمور بصدره في هذه اللحظة، وإلى لعبٍ على حافة الهاوية، على أمل لحظة استثمار ما، رئاسياً على المدى الزمني القريب، وتأسيسياً على المدى الأبعد. ويعود أيضاً إلى التقدير بأنّ ما نعيشه هو غضب، والغضب دائماً لا يملك أن يكون مستديماً، ومن الحكمة انتظار جثته على ضفّة النهر، أو حتى انتظار هديّة حادث أمنيّ من السّماء، يشتّت الأنظار عمّا يحدث، ولا بأس ربّما من «مساعدة السّماء قليلاً».
* كاتب لبناني