الحيوية الاحتجاجية التي تتواصل منذ أكثر من شهر ارتباطاً بفضيحة النفايات، أتاحت، أكثر من أي مرحلة سابقة (بعد انتهاء الحرب الأهلية رسمياً قبل ربع قرن)، الربط ما بين نظام المحاصصة الطائفية والمذهبية والأزمات المتزايدة والمتفاقمة التي يعاني منها اللبنانيون. لقد أدركت أوساط واسعة من الشباب اللبناني خصوصاً، أن الطاقم المحاصص الراهن لن يتورع عن أي ارتكاب أو فضيحة في صراع أطرافه على المزيد من المكاسب والمغانم.

هو بلغ في موضوع النفايات ذروة في استفزازه للبنانيين وفي احتقاره لمصالحهم ومشاعرهم. إنه يراهن كالعادة، على سيادة وتعزيز ذهنية اليأس والقرف، وتكرار معزوفة «خصوصية» لبنان وتجذُّر وترسُّخ العصبيات الجاهلية فيه، الطائفية والمذهبية، وتقدمها على كل ما عداها، مطمئناً بسبب ذلك وسواه (كشبكات الانتفاع بالفتات التي تغذي مجموعات المحاسيب والمستفيدين ممن يتحولون، في المواسم، إلى مفاتيح وأزلام وبلطجية...)، إلى استحالة إمكانية المساءلة والمحاسبة والعقاب...
هذه المعادلة، ما بين استفحال الخلل وتعاظم الفساد والوقاحة واحتقار المواطنين، من جهة، وتوزع المسؤولين ما بين مرتكب وساكت على الارتكاب، من جهة ثانية، هي ما دفع إلى انبثاق وتكرار شعار «كلُّن، يعني كلُّن».

ليس هذا دقيقاً بالطبع: لا من حيث حجم الانخراط في التحاصص وبالتالي في منظومة الفساد والإفساد وتقاسم مقدرات وموارد البلاد، ولا من حيث وضع الأساس الصحيح لصياغة المطالب وتحديد الارتكاب والمسؤولين عنه وفق أجندة تجمع ما بين تخفيف الأعباء عن المواطنين من جهة، وممارسة المحاسبة وفق المسؤوليات الفعلية، من جهة ثانية.
لكن من أين يكون لمطلقي التحرك الاحتجاجي (أو حتى لبعض الذين التحقوا به من مجموعات مسيسة تنقصها، مع ذلك، الخبرة والتجربة عموماً)، وهم ينتمون إلى تيار مدني اعتاد العمل «على القطعة» لجهة الموضوعات والمسائل التي يتبناها والتي «تدرب» بعض نشطائه على تحويلها إلى مادة احتجاج وتعبئة جزئية ومحدودة في حقول ومجالات «التمكين» والمساواة ورفض ممارسة التمييز والعنف... وصولاً إلى بعض الحقوق العامة والخاصة (التعامل مع المثليين والزواج المدني...)، من أين تكون لهم القدرة على التعامل المناسب والصحيح مع وضع شديد التعقيد كالوضع اللبناني؟ ليس المقصود هنا أن هذه المسائل غير مهمة. إن بعضها، في الواقع، هو شديد الأهمية كتشريع الحق في الزواج المدني الاختياري وملاحقة ومعاقبة ممارسي العنف (وصولاً إلى القتل) ضد المرأة، وكحق المرأة المتزوجة من أجنبي في منح الجنسية لأولادهما، والحق في الأجر المتساوي للعمل المتساوي بين الرجل والمرأة وتحرير المرأة من الوصاية الذكورية المفرطة التي تصادر أبسط حقوقها بما في ذلك حقها في الحياة نفسها (بذريعة الدفاع عن «الشرف»).
إن مثل هذه التحسينات هي ضرورية من دون أدنى شك. لكنها، بمقياس مقتضيات معالجة الخلل في النظام السياسي اللبناني وفي الاجتماع اللبناني الناتج منه، تصبح جزئية، خصوصاً إذا لم تندرج في سياق مشروع إصلاحي شامل يستهدف تغيير أو نسف بنية نظام المحاصصة نفسه، بما هو نظام تابع ومتعارض مع قيام الدولة الواحدة والسيدة والديموقراطية والتي توفر الاستقرار والمساواة والحياة الحرة والكريمة لمواطنيها.
في المرحلة الراهنة، يُسجّل طبعاً لمجموعة «طلعت ريحتكن» أنها بادرت وأنها وفرت، بالإصرار وبالشعار، انطلاقة غير تقليدية، أي غير فئوية (!) للتحرك. وهي رغم افتقارها إلى القدرة على صياغة برنامج ملائم وجامع وقادر على المزيد من الاستقطاب ببنوده وبتصويبه على مظهر الخلل ومصدره، فإنها كشفت، مرة جديدة (ومن دون تقصد طبعاً)، الثغرات والعلاقات القاتلة التي باتت تعاني منها أحزاب التغيير وخصوصاً منها القديمة والعريقة.


لا بد من اجتراح صيغ للتعامل
مع التهديدات الراهنة
لقد بلغ الأمر حد اتخاذ موقف تعسفي، من قبل بعض ناشطي المجموعة المبادرة، ضد التحزب والحزبية من دون تمييز. وبذلك لم يكن الحزبيون الشباب الذي جذبهم التحرّك في وضع يحسدون عليه حين أُجبروا على الاختيار ما بين ممارسة وإعلان صفتهم الحزبية وبين رغبتهم وواجبهم في المشاركة في نشاط لا سبيل إلى تجاهله وغض النظر عن مدى أهميته ومدى تعبيره عن حجم استياء اللبنانيين من هذه الأزمة، بل الفضيحة الجديدة بعد الفضائح المتراكمة في قطاعات الخدمات الأساسية: الكهرباء والماء والخدمات الصحية ومشاكل الإيجارات وفرص العمل وغلاء الأقساط... وما يتصل بكل ذلك من هجرة وبطالة ومشاكل أمنية واجتماعية وعائلية.
ثم إن التحركات المتواصلة والمتصاعدة، قد كشفت عن استعدادات شعبية عامة (وشبابية خصوصاً) للانخراط في عمل سياسي مباشر ضد الطاقم السياسي الحاكم والمهيمن على مقدرات البلاد ومؤسساتها. وهو أمر جسّدته مشاركة متنوعة وواسعة، في العاصمة والمناطق، كررت، مرة جديدة، وبحدود أوضح وأعمق، زيف مزاعم امتلاك اللبنانيين، من دون سائر خلق الله، جينات الزبائنية والأنانية والطائفية والمذهبية أبّاً عن جد! لكن الأخطر في مجرى ذلك، أنه جرى تكريس نبذ الحزبية حتى صار من شبه المسلم به أن نجاح التحرك وشروط المشاركة الشعبية والشبابية الواسعة فيه تملي إبعاد الأحزاب عنه (والمقصود هنا ليس أحزاب السلطة فقط بل، أيضاً، أحزاب المعارضة القديم منها والجديد على حدٍ سواء).
إن استمرار إبعاد الأحزاب والحزبيين، هو، إذا ما أُصرّ عليه كخيار دائم، تعبير عن موقف غير سليم من الناحيتين المبدأية والعملية. وهو يتجاوز في الواقع، الموقف مما تعانيه هذه الأحزاب من ضعف وعجز وأخطاء... إلى جعل الحركة الاحتجاجية، في ظروف لبنان خصوصاً، أسيرة نهج تجريبي وجزئي وقاصر، وإلى توفير فرص استغلال ذلك من قبل قوى داخلية وخارجية، بينها من هو متربص بالوضع اللبناني لإغراقه في الفوضى خدمة لأهداف تآمرية ناشطة في المنطقة بأدوات صريحة، أو مموهة بالتكفير والإرهاب والعصبيات والفتن.
لقد برزت في مجرى الاحتجاجات مواقف وشعارات ربطت ما بين أزمات لبنان وبين نظامه السياسي. وهي مواقف اشتمت من وراء النفايات أو عبرها روائح المحاصصة المانعة لقيام دولة دستور وقانون ومؤسسات. ولقد كشف الرئيس حسين الحسيني على شاشة «الجديد» يوم الأحد الماضي بعضاً من جوانب التناقض القائم ما بين المتطلبات والشروط الأولية لبناء الدولة بحسب آليات «الطائف والدستور» وبين جشع المحاصصين القدماء والجدد ممن يواصلون اعتداءهم على دستور البلاد ومؤسساتها ومواردها وحقوق مواطنيها. وهو في ما أعلنه ومارسه لفت الانتباه، تكراراً، إلى الانتهاكات المتمادية للدستور من قبل الطاقم السياسي المحاصص. وإذا ما استذكرنا أيضاً البنود الإصلاحية الدستورية الأخرى التي جرى إهمالها أو التنكر لها (وأهمها تشكيل الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية)، لتبين لنا أن رفع شعار إلغاء الطائفية انما يقع في صميم مسألة احترام وتطبيق دستور البلاد!
لقد أثبت الشعب اللبناني حيوية استثنائية في حقول عديدة كان أبرزها ملحمة التحرير (صادفت هذا الأسبوع الذكرى الـ 33 لتأسيس جبهة المقاومة الوطنية). العدوان المستمر على الوطن والمواطن من قبل أطراف المحاصصة يهدد بمزيد من الكوارث في ظروف بالغة الخطورة. لا بد من اجتراح صيغ للتعامل مع التهديدات الراهنة في مهمة تصبح اليوم ذات طبيعة إنقاذية وليس إصلاحية تتصل بملف النفايات وحده.
لا بد من أن يتجه التركيز، لهذا الغرض، على محاولة معالجة أوجه الخلل التي تعانيها قوى التغيير: في الصيغ والبرنامج والعلاقات وأشكال العمل والقيادة. هذه هي الأولوية في هذا المجال، ومن هنا يجب أن نبدأ.
* كاتب وسياسي لبناني