فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر وأما بنعمة ربك. صدق الله العظيم


تابعنا في تجمع عائلات بيروت المؤتمر الصحافي الأخير لرؤساء وأرباب مجالس الأعمال والغرف وما قيل فيه من كلام بحق شعبنا في بيروت ولبنان. ونود الابتعاد عن الأخذ والرد وتأكيد الحقائق الراسخة الآتية عن مدينة بيروت وأهلها... ونحن نتكلم بالأصالة والمعرفة عن هذه المدينة.

ان هذه المدينة لاهلها فقراء وأغنياء وليت لله يقدرنا أن نساعد الفقر ونعمم اليسر. والفقير هو بالنفس وليس بالمال الغالي والرخيص، وبيروت بساحاتها وشوارعها وأزقتها ملك خالص لشعبها وليس للشركات أو المؤسسات، وحراك شعبها هو دليل حياتها ولا حياة بدون حركة وتغيير. ولشعبنا حق التظاهر والحراك دون المساس بالطبع بمعالم المدينة وممتلكات الدولة أو الغير... نعلم ان التظاهر بالوسط يضر بالتجار والمحال التجارية ولكن ساحات بيروت موجودة في الوسط والمدينة تجتمع في ساحاتها. والحل السريع لمشكلة النفايات سوف يأتي بالانفراج للجميع. أما في الجوهر ان المتظاهرين لم يتسببوا بالازمة الاقتصادية في لبنان وحركتهم نتيجة حتمية ومباشرة لأزمة متفاقمة في مدينة مأزومة بالمياه العذبة والكهرباء والنفايات والشوارع المكتظة والباطون الزاحف.
ورأينا أن الاقتصاد والمؤسسات وشعب لبنان يكافح الأزمة وسوف ينتصر عليها بإرادته القوية. كذلك غير صحيح ان سبب الحراك هو نتيجة تحريض من الماركسيين والشيوعيين كما طرح في المؤتمر المذكور. اما الرخص والتنافسية فهما أساس ومحرك العرض والطلب واليد الخفية التي تحرك كما كتب أدم سميث. الوفرة والنمو الاقتصادي الحقيقي هو إرساء للفرص الاستثمارية الإنتاجية في قيمة مضافة تراكمية وليس فقط التبادل التجاري المربح. فالرأسمال التجاري أحد مكونات الاقتصاد وليس الاقتصاد في كلّيته. وأحد ميزات التبادل التجاري هو بالتحديد توزيع الكتلة النقدية بشكل تبادلي ونقدي واسع وليس ضيقاً. من البديهي القول إن الأزمة الاقتصادية عامة على جميع الدول العربية، ولا مجال هنا للتوسع في ذلك، ولبنان على فلق الزلازل العربية. فنرى دولاُ لم تعد دولاً في الجغرافيا ودولاً في حالة حرب أهلية أو اقليمية وتفكك سياسي وجغرافي عريض من المحيط الى الخليج...
ناهيك عن الانقسام العمودي السياسي اللبناني، شطر المجتمع المدني والسياسي الى شطرين متعادلين، دخلا في تناحر سياسي عميق ضمن الاصطفاف الاقليمي وطُعِمَ بانقسام طائفي أدى الى شل العمل الوزاري وابطاء واعاقة الحركة الاقتصادية وشلل المؤسسات الحكومية الاساسية الفاعلة في الاقتصاد كوزارة المالية والداخلية والبيئة والبترول، فبات القرار السياسي التنفيذي رهينة الانقسام السياسي العامودي نفسه، وباتت الشريحة الكبرى من الشعب ترزح تحت أثقال الحياة اليومية من نقص في الكهرباء والمياه والمجاري، الى تراكم النفايات الى أفق مظلم.
أما لو تكلمنا عن دور الاغنياء والنخبة والقيادات الاقتصادية ولا أقول الرأسماليين أو الرأسمالية الانتاجية حيث لا أظن أن لبنان عرفها أو ذاق طعمها الا في النوادر، فهذه الفئة لم تشعر حتى الآن ان عليها تغيير نمط تعاطيها الشؤون العامة الوطنية والاقتصادية، وأزمة النفايات الأخيرة أثبتت ما هي نهاية ونتائج الاحتكار الوخيمة على الاقتصاد والمجتمع وليس عليك أن تكون ماركسي أو شيوعي بل من المدرسة الليبرالية الاقتصادية نفسها التي يتغنى بها أرباب المؤتمر (رؤساء الغرف التجارية) لكي تقول إن الريع الاحتكاري في لبنان يمثل 16% من الدخل القومي، وفي يد 1% فقط من المستثمرين القابعين خلف الحصرية والعلاقات الطيبة الدافئة مع مراكز القرار في الدولة والحكم وهم يخرقون أي تكتل سياسي بكل عناد وهم موجودون في كل مراكز القرار السياسي. ونكرر ان لبنان بلد صغير والكل يعرف الفرد والفرد يعرف الكل وتاريخ الحسب والنسب والبحبوحة من عدمها معروف من الجميع.


الوفرة والنمو الاقتصادي الحقيقي هما إرساء للفرص الاستثمارية الإنتاجية

فنحن نكرر أرقاماً جاءت بها دراسة وزارة الاقتصاد اللبنانية، أن ثلثي الاسواق اللبنانية تخضع للاحتكار، أما دراسة البنك الدولي عن عام 2006 عن الاحتكارات وضعف التنافسية وان نصف الثروة في يد 1% من المقيمين وان مديونية الدولة ناهزت 75 بليون دولار، وان الرأسمال الريعي في خدمة هذه المديونية يأكل ربحية الرأسمال المنتج وان الشباب يهاجر... الخ. وبدل الكلام الذي سمعناه لماذا لا تقوم الغرف وتنظيماتها وقياداتها المنافية «لأم الرخوصة»، «والمضادة للشيوعية الملفوظة من الجميع» بمبادرة إنقاذ وطني اقتصادي عنوانها عقلنة وتحويل مسار الدورة الاقتصادية من الاقتصاد الأكثري الريعي الى الاقتصاد المتوازن الانتاجي بغية تخفيف أثر الريع السلبي على الانتاج الصناعي والزراعي. من بديهيات هذه المبادرة الشروع في صندوق وطني لتسديد الدين الوطني والمطالبة بإصدار (تتبناه المصارف العاملة) يورو بوند أو دولار بوند بغية القيام بمشاريع بنية تحتية ملحة في بناء مصانع الطاقة الشمسية أو الارتدادية أو التوربينية أو النووية لانتاج الكهرباؤ وحرق وفرز النفايات. وإصدار آخر للاستثمار في الزراعة النوعية المصنعة، حيث تشكل الزراعة 3% من الناتج المحلي فقط! وإصدار آخر لتأسيس مدينة صناعية ذكية. وإصدارات عديدة أخرى تحول اقتصادنا من اقتصاد استهلاكي استيرادي الى اقتصاد متوازن بين التجارة والصناعة والزراعة لوزن الخلل في معادلة الدخل القومي اللبناني. واصدار آخر لتأسيس شركة وطنية بترولية للتنقيب والانتاج. وتأييد وإقرار زيادة الاجور في السلسلة لإعادة تنشيط المعادلة الاستهلاكية لأن الاعتماد على تحويلات شبابنا من الخارج لا يمكن أن يستمر الى الأبد، والمنطقة الاقتصادية المحيطة مشحونة بالمخاطر والأداء الاقتصادي والسياسي السلبي والخطير. آن أوان العودة الى الحقيقة والوعي من فئة اعتبرت أنها النخبة في العلاقة والأداء الاقتصادي، حيث ان الهلاك الاقتصادي لو أتى سيؤذي أولاً هذه النخبة، حيث ان الفقير لن يفقد الكثير وقد تعوّد خشونة الحياة في ظل الجهل والطغيان التي يعيشها كل يوم. من هو المسؤول عن هذا التردي في حياتنا؟ من قطع الاشجار حتى تلوث الشواطئ؟ حتى قطع رؤوس جبالنا.
من هو المسؤول عن انقطاع الكهرباء والمياه والنفايات في مدينة كمدينة بيروت يدفع المواطن فيها لبلديته ضعف ما يدفع في مدينة كباريس أو روما؟
من هو المسؤول عن نهب الاموال العامة والتصرف والتمتع بها، والنهب والسرقة مكشوفان. فاستباحة الملك العام والشواطئ والثروة الوطنية والعقود المشبوهة المدبرة التي تستمر سنين من دون أي منازع. لماذا لا يمكن وضع شركة النفايات الشهيرة تحت الوصاية لسعادة محافظ بيروت والتوقف عن صرف عمالها بل تشغيلهم في رفع النفايات المتراكمة كل يوم في بيروت وضواحيها.
نجح القطاع العام اللبناني والدولة العميقة في ادارة البنك المركزي والجامعة اللبنانية والريجي والطيران الوطني، فلماذا لن ينجح في ادارة نفايات العاصمة؟ كذلك تزويدها بالمياه ونظافة الصرف الصحي وحماية شواطئها واعادة هذه المدينة الى جمالها الطبيعي محاطة بالبحر والجبل.
ونجح القطاع الخاص في ادارة البنوك وكذلك في المقاولات، فباتت بنوكنا دولية وكذلك شركاتنا عالمية.
آن الأوان، ولو تأخرنا كثيراً، لإعادة النظر من خارج منظار الانانيات والمصالح الضيقة الآنية لتركيب خطة وطنية اقتصادية قومية واعية وحضارية تقوم بمعالجة الخلل البنيوي في توزيع الدخل القومي لحصص متعادلة بين الخدمات والانتاج. وتصحيح وتوزيع مصادر الدخل الانتاجية والشروع في مشاريع صناعية وزراعية تؤمن مستقبل الجيل الصاعد، وفك ومحاسبة الاحتكارات ومحاسبة الاداء على ضوء العقود وادخال التنافسية في كل مجال ضمن قوانين صارمة تحفظ وتحفز مشاركة الشركات المتعددة في العطاءات الحكومية والمشاريع الخاصة. وأخيراً مراجعة ومحاسبة الافراد والشركات على مداخيلهم في حقيقتها من عدمها.
* رئيس تجمع عائلات بيروت